على ما خلقها الله تعالى عليه فقط ، وهم يحرمون بعقولهم ويشرعون الشرائع
بعقولهم ، بغير نص من الله تعالى ، ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا إجماع من الأمة ،
فهذا هو إبطال حجج العقول على الحقيقة ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بالموازنة يوم القيامة .
قال أبو محمد : وهذا من أغرب ما أبدوا فيه عن جهلهم ، وهل هذا إلا نص
جلي ؟ وأي شئ من موازنة أعمال العباد ؟ وجزاء المحسن بإحسانه ، والمسئ
بإساءته ، والعفو عن التائب بعد أن أجرم ، والعفو عن الصغائر باجتناب الكبائر ،
والمؤاخذة بها لمن فعل كبيرة وأصر عليها ، مما يحتج به في إيجاب تحريم الأرز
بالأرز متفاضلا ، وهل يعقل وجوب هذا من موازنة الأعمال يوم القيامة ،
وجزاء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ، وجزاء السيئة بمثلها ، إلا مجنون مصاب .
وقالوا : أخبرونا عن قولكم بالدليل : أبنص قلتموه ، أم بغير نص ؟ فإن
قلتم : قلناه بنص ، فأروناه ، وإن قلتم : بغير نص ، دخلتم فيما عبتم من القياس .
قال أبو محمد : وقد أفردنا فيما خلا من كتابنا هذا بابا لبيان الدليل الذي نقول
به فأغني عن ترداده ، إلا أننا نقول ههنا جوابا لهم ، وبالله تعالى التوفيق ،
ما لا يستغني هذا المكان عن إيراده وهو أن الدليل نقول : هو المقصود
بالنص نفسه وإن كان بغير لفظه ، كقول الله تعالى : * ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) *
فبالضرورة نعلم أنه ليس بسفيه ، ومثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر خمر
وكل خمر حرام فصح ضرورة من هذا اللفظ أن كل مسكر حرام . فدليلنا
هو النص والاجماع نفسه ، لا ما سواهما ، وبالله تعالى التوفيق .
وقالوا : لا نص في ميراث من بعض حر وبعضه عبد ، ولا في حده ، ولا في
ديته ، فما تقولون في ذلك ؟ وكذلك نكاحه وطلاقه والجناية عليه ومنه .
قال أبو محمد : وصاحب هذا الكلام كان أولى به أن يتعلم قبل أن يتكلم ،
وذلك أن النص ورد بعموم ميراث الأبناء والبنات والآباء والأمهات ،
والاخوة والأخوات ، والعصبة والأزواج ، فواجب ألا يخرج عن النص أحد
فيمنع الميراث إلا بنص ، والنص قد صح من حديث علي وابن عباس : إن المكاتب إذا
الاحكام — صفحة 1043
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٤٣