التحريم وصفات التحليل ؟ فإن قالوا : نغلب التحريم احتياطا . قلنا لهم : ولم لا
تغلبوا التحليل تيسيرا ؟ لقول الله تعالى : * ( يريد الله بكم اليسر ) * وإن قالوا : نغلب
التحليل ، قيل لهم : وهلا غلبتم التحريم ؟ . ولقول الله تعالى : * ( وعسى أن تكرهوا
شيئا وهو خير لكم ) * فظهر بطلان قولهم وفساده ، وبالجملة فليس تغليب أحد
الوجهين أولى من الآخر ، وقد قال تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب
هذا حلال وهذا حرام ) * فنص تعالى على أن كل محرم ومحلل بغير نص من الله تعالى
فهو كاذب ومفتر ، وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا : فلو كانت صفة شبه التحريم توجب التحريم ، وصفة شبه التحليل توجب
التحليل ، لما وجد كلا الامرين في شئ واحد البتة ، لأنه كان يجب من ذلك أن يكون الشئ
حراما حلالا معا ، وهذا حمق محال . فصح أن الشبه لا يوجب تحريما ولا تحليلا ،
كثرت الأوصاف بذلك أو قلت .
وقد أقدم بعضهم فقال : إن الله تعالى قال : * ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما
إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) * قالوا : غلب تعالى الاثم فحرمها .
قال أبو محمد : هذا من الجرأة على القول على الله تعالى بغير علم ، وهذا يوجب
إن الله تعالى اعترضه في الخمر والميسر أصلان : أحدهما المنافع ، والثاني الاثم ،
فغلب الاثم ، هذا هو نص كلامهم وظاهره ومقتضاه ، وليت شعري ، من رتب
هذا الاثم في الخمر والميسر ؟ وقد كانا برهة قبل التحريم حلالين لا إثم فيهما ،
وقد شربها أفاضل الصحابة رضي الله عنهم ، وأهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتنادم
الصالحون عليها أزيد من ستة عشر عاما ، في الأصل صح ذلك عن عبد الرحمن
ابن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وحمزة ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وسهيل بن
بيضاء ، وأبي بن كعب ، وأبي دجانة ، وأبي طلحة ، وأبي أيوب ، ومعاذ بن جبل ،
وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وغيرهم كلهم شربوا الخمر بعد الهجرة ، واصطحبها
جماعة يوم أحد ممن أكرمهم الله تعالى في ذلك اليوم بالشهادة ، فهل أحدث
الاثم فيها بعد أن لم يكن إلا الله تعالى ؟ فأين قول هؤلاء النوكى : إن الله تعالى
حرمها لأجل الاثم الذي فيها ، أو لأجل الشدة والاسكار ؟ وهل هذا إلا كذب
بحت ؟ وهل حدث الاثم إلا بعد حدوث التحريم بلا فصل ؟ وهل خلط قط
الاحكام — صفحة 1046
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٤٦