لا يستحبون أن يصفوا بذلك خصومهم ، فهم كما قال الشاعر :
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه مراد لعمري ما أراد قريب
وأيضا : فإنه يقال لهم : إذا قلتم : إن كل شيئين اشتبها في صفة ما ، فإنه يجب
التسوية بين أحكامهما في الايجاب والتحليل وبالتحريم في الدين ، فما الفرق بينكم
وبين عكس من عليكم هذا القول بعينه ، فقال : بل كل شيئين في العالم إذا افترقا
في صفة ما ، فإنه يجب أن يفرق أحكامهما في الايجاب والتحليل والتحريم في الدين ؟ .
فأجاب بعضهم بأن قال : هذا لا يجب دون أن يأتي بفرق .
قال أبو محمد : وهذا تحكم عاجز عن الفرق ، ويقال له : بل قولك هو الذي
لا يجب ، فما الفرق ؟ .
وقال بعضهم : هذا قياس منكم ، فإنكم ترومون إبطال القياس بالقياس ،
فأنتم كالذين يرومون إبطال حجة العقل بحجة العقل .
قال أبو محمد : فيقال لهم ، وبالله تعالى التوفيق ، لم نحتج عليكم بهذا تصويبا
منا له ولا للقياس ، لكن أريناكم أن قولكم بالقياس ينهدم بالقياس ، ويبطل
بعضه بعضا وليس في العالم أفسد من قول من يفسد بعضه بعضا ، فأنتم إذا أقررتم
بصحة القياس فنحن نلزمكم ما التزمتم به ونحجكم به ، لأنكم مصوبون له ، مصدقون
لشهادته ، وهو قولكم بالفساد وعلى مذاهبكم بالتناقض ، أقررتم به
أو أنكرتموه ، وأما نحن فلم نصوبه قط ، ولا قلنا به ، فهو يلزمكم ولا يلزمنا ،
وكل أحد فإنما يلزمه ما التزم ، ولا يلزم خصمه ، كما أن أخبار الآحاد المتصلة
بنقل الثقات لازم لنا للاحتجاج بها علينا في المناظرة ، ولا نلزم من أنكرها ،
فمن ناظرنا بها لم ندفعه عما يلزمنا بها ، وهذا هو فعلنا بكم في القياس .
وأما تشبيهكم إيانا في ذلك بمن جنح في إبطال حجة العقل بحجة العقل ، فتشبيه
فاسد ، لان المحتج علينا في إبطال حجة العقل لا يخلو من أحد وجهين : إما أن
يصوب ما يحتج به ويحققه فقد تناقض ، أو يبطل ما يأتي به فقد كفانا مؤنته ،
ولسنا نحن كذلك في احتجاجنا عليكم بالقياس ، لكنا نقول لكم : إن كان
القياس حقا عندكم فإنه يلزمكم منه كذا وكذا ، وليس يقول لنا المبطلون لحجج
العقول هكذا ، لكنهم محققون لما يحتجون به ، فيتناقضون إذا حققوا ما أبطلوا ، كما
الاحكام — صفحة 1040
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٤٠