قال أبو محمد : وكل هذا فاسد باطل متناقض لأنه كله دعاوى باردة بلا دليل
على صحة شئ منها ثم تسميتهم قياس الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل أنه مفهوم ،
وليت شعري بماذا فهموه حتى علموا أنها لا تجزئ إلا مؤمنة ؟ هذا وقد خالفهم
إخوانهم من القائسين في ذلك من أصحاب أبي حنيفة ، فلم يفهموا من هذا القياس
العجيب ما فهم الشافعي والمالكي ، وكل ما فهم من كلام فأهل اللغة متساوون
في فهمه بلا شك ، فصار دعواهم للفهم كذبا ، ثم هلا إذا فهموا أن كلتا الرقبتين
سواء ، مشوا في قياسهم ففهموا أنه يجب التعويض من الصيام في القتل إطعام
ستين مسكينا كالتعويض لذلك من صيام الظهار ، كما تساوى التعويض من رقبتي
الظهار والقتل ، صيام شهرين متتابعين ، فما هذا التباين في فهم
ما لا تقضيه الآية ولا اللغة ؟ .
وأما قولهم : قياس العلة ، وأن النبيذ مقيس على الخمر - فكذب مجرد بارد
سمج ، وجرأة على الله تعالى ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر خمر وكل
مسكر حرام فساوى صلى الله عليه وسلم بين كل مسكر ، ولم يخص من عنب ولا تمر
ولا تين ولا عسل ولا غير ذلك ، ثم أخبر أن كل مسكر حرام ، فليست خمر
العنب في ذلك بأولى من خمر التين ، ولا خمر العنب أصلا وغيرها فرعا ، بل
كل ذلك سواء بالنص فظهر برد قولهم وفساده .
فإن قالوا : فهلا كفرتم من استحل نبيذ التين المسكر ، كما تكفرون مستحل
عصير العنب المسكر ؟ .
قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : إنما كفرنا من استحل عصير العنب المسكر لقيام
الحجة بالاجماع ، ولو استحله جاهل لم يعرف الاجماع في ذلك ما كفرناه حتى يعرفه
بالاجماع ، وكذلك لم نكفر مستحل نبيذ التين لجهله بالحجة في ذلك ، ولو
أنه يصح عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم كل مسكر على عمومه ، ثم يستجيز
مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكان كافرا بلا شك وقد أفردنا بعد هذا بابا ضخما في إبطال
قولهم في العلل ، وبالله تعالى التوفيق .
وأما قولهم في موازنة صفات التحليل وصفات التحريم ، فإنا نقول لهم : هبكم ،
لو سامحناكم في هذا الهذيان المفترى ، وماذا تصنعون إذا تساوت عندكم صفات
الاحكام — صفحة 1045
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٤٥