قال : كان أبو هريرة يتوضأ مما مست النار ، فبلغ ذلك ابن عباس ، فأرسل إليه :
أرأيت لو أخذت دهنة طيبة فدهنت بها لحيتي أكنت متوضئا ؟ قال أبو هريرة :
يا ابن أخي ، إذا حدثت بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال جدلا .
قال أبو محمد : وليس ههنا للقياس مدخل البتة بوجه من الوجوه ، وابن عباس
قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شاهده أكل شيئا مما مست النار فلم يتوضأ ، وهذا
الحديث عنه مشهور ، فلم يترك ابن عباس الوضوء مما مست النار قياسا ، لكن
اتباعا للنص ، وإنما عارض أبا هريرة بأمر الدهن في هذا الحديث ليعلم : أيطرد
أبو هريرة قوله ، أم لا يرى الوضوء من الدهن فقط ، فإنما هو استفهام عن
مذهب أبي هريرة في الدهن : أيوجب الوضوء أم لا ؟ ليس في هذا الحديث
شئ غير هذا البتة ، ولكن في قول أبي هريرة : إذا حدثت بالحديث عن النبي
صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال جدلا ، إبطال صحيح للقياس ، لان القياس ضرب
أمثال في الدين لم يأذن بها الله تعالى . وقد نهى أبو هريرة عن ذلك ، وأمره
باتباع الحديث والتسليم له ، فهذا الحديث عليهم لا لهم ، والصحيح عن ابن
عباس إبطال القياس ، على ما ذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى .
وأما : أينقص الرطب إذا يبس فحدثناه أحمد بن محمد الجسور ، نا أحمد
ابن سعيد بن حزم ، نا عبيد الله بن يحيى ، نا أبي عن مالك بن أنس ، عن عبد الله
ابن زيد ، أن زيدا أبا عياش أخبره : أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء
بالسلت . قال له سعد : أيتهما أفضل ؟ فقال : البيضاء ، فنهاه عن ذلك ،
وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب ، فقال صلى الله عليه وسلم :
أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا : نعم فنهاه عن ذلك .
الاحكام — صفحة 1008
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٠٨