قال أبو محمد : ولا حجة لهم في هذا ، لان كثيرا من أصحاب القياس لا يقولون
بهذا ، ولا يرون غير الطعام داخلا في حكم الطعام في ذلك ، بل يرون ما عدا الطعام
جائز بيعه قبل أن يستوفى ، وهذا قول المالكيين ، فمن المحال أن يحتج امرؤ بشئ
يقر أنه خطأ لا يجوز أن يؤخذ به . وأيضا فإن ابن عباس لم يقطع بصحة ظنه
في ذلك ، وانما أخبر أنه يحسب كل شئ مثل الطعام في ذلك ، وهذا هو الذي قلنا
عنهم رضي الله عنهم : إنهم لا يقطعون برأيهم فيما رأوه ، وإنما هو ظن لا يثبتونه
دينا ، وليس حكم القياس عند القائلين به من باب الحسبان الذي ذكره ابن عباس
في هذا الحديث ، فصح يقينا أنه لا مدخل للقياس في هذا الحديث ، فاحتجاجهم
به باطل ، وبالله تعالى التوفيق .
وأما : لو لم تعتبروا ذلك إلا بالأصابع فحدثناه حمام بن أحمد ، ثنا محمد بن
أبن مفرج ، ثنا ابن الأعرابي ، ثنا أبو يعقوب الدبري ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا مالك ، عن
داود بن الحصين ، عن أبي غطفان ، أن مروان أرسله إلى ابن عباس يسأله : ماذا
جعل في الضرس ، قال : فيه خمس من الإبل ، قال : فردني إلى ابن عباس :
فقال : أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس ، فقال ابن عباس : لو أنك لا تعتبر
ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء .
قال أبو محمد وهذا لا مدخل للقياس فيه البتة ، بل هو إبطال للتعليل جملة ،
لان مروان علل الدية بأنها عرض من العضو المصاب ، فينبغي أن تكون دية
العضو الأفضل أكثر ، وهذه هي علل أصحاب القياس على الحقيقة ، فأراه ابن عباس
بطلان هذا ، وتناقضه في قوله : بأن الأصابع منافعها متفاضلة ، وديتها سواء . وهذا
إبطال العلل على الحقيقة وفي إبطال العلل إبطال للقياس ، إذ لا قياس إلا على
علة جامعة عند حذاق القائلين به ، فهذا الحديث مبطل للقياس كما ذكرنا ، وراد إلى
النص ، وألا يتعقب بتعليل ، وبالله تعالى التوفيق ، وبرهان واضح فيما ذكرنا
هو أن القياس بلا خلاف ، إنما هو أن يحكم لما نص فيه بالحكم فيما نص ، أو
فيما اختلف فيه بالحكم فيما اجتمع عليه ، وليس في الأصابع إجماع ، فيقاس عليه الأضراس ،
بل الخلاف موجود فيها كما هو في الأضراس ، وليس في الأصابع نص دون الأضراس ،
بل النص فيهما جميعا ، فبطل أن تكون الأصابع أصلا يقاس عليه الأضراس .
الاحكام — صفحة 1006
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٠٦