الأمة كلها مجمعة على قبول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خلاف بين أحد ممن ينتمي
إلى الاسلام في ذلك من جميع الفرق أولها عن آخرها ، ثم اختلفوا في الطريق
المؤدية إلى معرفة صحة ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا نحن : خبر الواحد العدل
من جملة ذلك . وقال آخرون : ليس من جملة ذلك ، ثم تأتي سنن قلنا نحن :
صحت عندنا من طريق من الآحاد ، وقال من خالفنا ، إنما صحت عندنا من طريق
التواتر ، ولو لم تأت إلا من طريق الآحاد فقط ما أخذنا بها .
فهذه الصفة النقل هو الذي اتفق الناس كلهم من المسلمين على قبوله ،
وأجمعوا على الاخذ به ، كإجماع الناس على أن في خمس من الإبل شاة ، وعلى أن فيما
سقي بالنضح من القمح والشعير نصف العشر ، وسائر ما أجمعوا عليه من آيات
النبوة التي جاءت من طريق الكافة ، وجاءت أيضا من طريق الآحاد ، وليس
هكذا أمر القياس الذي ادعوه .
ولكنا لا ننكر أن تأتي مسائل تستوي في حكم القياس على أصولهم ، وقد صح
بها نص أو إجماع أيضا ، فأخذنا نحن بها ، لان النص أتى بها ، أو لأنها إجماع ولم
نبال وافقت القياس أو خالفته .
وأيضا فإن من ينكر القياس ينكره على كل حال ، وبكل وجه ، وفي كل
وقت ، وليس في فرقة من فرق المسلمين أحد ينكر الخبر جملة ، بوجه من الوجوه ،
بل كلها مجمعة - بلا خلاف - عن أن الديانة لا تعرف إلا بالخبر ، وإنما أنكرت
طوائف خبر الواحد وقالت بخبر التواتر . وقال آخرون بالخبر المشتهر ، وقال آخرون
بخبر الواحد العدل ، فالفرق بين ما أنكرنا وبين ما نظروه به بين واضح ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بإيجاب التحرير على المسئ قالوا : وهذا قياس .
قال أبو محمد : وهذا من ذلك المرار ، ليت شعري على أي شئ قيس التعزير
إن كانوا إنما قالوا به قياسا ؟ وأما نحن فإنما قلنا به للنص الوارد في ذلك عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا يجلد أحد في غير حد أكثر من عشر جلدات ، وأما
السجن فإنما هو منع المسجون من الأذى للناس ، أو من الفرار بحق لزمه ، وهو
قادر على أدائه فقط ، وهذا وقع تحت قوله تعالى : * ( وتعاونوا على البر والتقوى
ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) * وله حد لا يتجاوز ، وهو توبة المسجون وإقلاعه
الاحكام — صفحة 997
مساهمون: ابن حزم
ص٩٩٧