نصف صاع شعير ، إلا أنه لا شك أن ما حكته من فعل الناس في ذلك لم يكن
عندها حجة ، ولا عملا مرضيا ، ولكن كقولها ، إذا أمرت هي وأمهات
المؤمنين أن يخطر على حجرهن بجنازة سعد ، فأنكر الناس ذلك ، فقالت :
ما أسرع الناس إلى إنكار ما لاعلم لهم به .
وقالوا : وقد وجدنا مسائل مجمع عليها ولا نص فيها ، فصح أنها قياس .
قال أبو محمد : قد ذكرنا هذه المسألة في باب الاجماع من ديواننا هذا
وتكلمنا عليها ، وبيناها - بعون الله تعالى - غاية البيان ، وأرينا البراهين
الضرورية ، على أن ذلك لا يجوز البتة ، وأنها إنما هي أحوال كانت على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر بها وقد علمها .
ومن ذلك القراض ، وليس ههنا شئ يقاس عليه جواز القراض ،
بل القياس يمنع من جوازه ، لأنه إجازة إلى غير أجل ، وعلى غير عمل
موصوف ، وبأجرة فاسدة ، وربما لم يأخذ شيئا فضاع عمله ، وربما أخذ قليلا
أو كثيرا ، وهكذا القول في سائر الاجماعيات من المسائل .
مع أن قولهم : إنها عن قياس ، خبر كاذب ، ودعوى بلا دليل ،
والبرهان قد قام على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين جميع واجبات الاسلام وحلاله
وحرامه ، فكل ما أجمع عليه فعن الرسول وبيانه بلا شك ، هذا هو اليقين ،
إذ لا يجوز إجماع الناس على شريعة لم يأت بها نص ، فبطل أن يكون
قياس وبالله تعالى التوفيق .
واعترضوا ههنا على من أجاب من أصحابنا في هذه المسألة بأن قال :
الناس مختلفون في القياس بلا شك ، فكيف يجوز أن يجمعوا على ما اختلفوا
فيه ؟ وهذا تخليط ظاهر .
قال أبو محمد : وهذا جواب صحيح عياني ، لا مجال للشك فيه ، فاعترض بعض
أصحاب القياس فيه بأن قال لنا : إنكم تجيزون الاجماع عن سنن كثيرة أتت في
أخبار الآحاد ، وقد علمتم أن أخبار الآحاد مختلف في قبولها ، وهذا هو الذي
أنكرتم . قال أبو محمد : وهذا تمويه ضعيف منحل ظاهر الانحلال ، لأننا لم ندع
إجماع الناس على ما اختلفوا عليه من قبول خبر الواحد وإنما قلنا ونقول : إن
الاحكام — صفحة 996
مساهمون: ابن حزم
ص٩٩٦