أو خروجه عما لزمه من الحق ، أو موته إن فعل به ذلك قصاصا .
واحتجوا أيضا بالتوجه إلى القبلة عند المعاينة ، فإذا غبنا عنها فبالاجتهاد .
قال أبو محمد : وهذا من ذلك التخليط ، وليس ههنا شئ قيس عليه ذلك بوجه
من الوجوه ، ولا هو أيضا موكول إلى الرأي ، ولا إلى الاستحسان ، ولكنه
نص من الله تعالى إذ يقول * ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) * فأما وصولنا
إلى معرفة جهة القبلة فبالدليل الذي أنكروه علينا ، ولم يعرفوا ما هو وظنوه قياسا ،
وهذه مسألة يلوح فيها ، لمن له أدنى حس ، الفرق بين الدليل والقياس ، لان
جهة طلب القبلة ليس قياسا أصلا ، ولا ههنا شئ يقاس عليه ، ولا هو موكول
إلى رأي كل إنسان ، فيستقبل أي جهة شاء ، ولا إلى استحسانه ، فصح أنه يتوصل
إلى ذلك بدليل ليس رأيا ولا قياسا ولا استحسانا ، وإنما كان يكون قياسا
إذا خفيت عنا الكعبة توجهنا إلى بيت المقدس قياسا عليها ، لأنها قد كانت أيضا
قبلة ، أو إلى المدينة ، وهذا كفر من قائله ، وهذا نحو قولكم لما حرم البر بالبر
نسيئة حرمنا التبن بالتبن نسيئة ، وإنما الدليل على جهتها مطالع الكواكب والشمس
ومعرفة نسبة العرض من الطول .
وقالوا أيضا : قد أسقطتم الزكاة عن الثياب ، قياسا على سقوطها عن الحمير
وتركتم أخذ الزكاة من الثياب بعموم قول الله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة ) *
وقوله تعالى : * ( وآتوا الزكاة ) * .
قال أبو محمد : وكذبوا في ذلك ما شاؤوا ، ومعاذ الله أن نترك أخذ الزكاة من
الثياب قياسا على الحمير ، ولكن لما كانت الآيتان المذكورتان لم ينص عز وجل
فيهما على مقدار ما يؤخذ في الزكاة ، ولا متى يؤخذ ، لم يحل لاحد العمل بما لم يبين
له ، إذ لا يدري أيأخذ الأقل أو الأكثر ، أو كل يوم أو كل شهر أو كل سنة أو
مرة من الدهر ، ووجب عليه طلب بيان الزكاة في نص آخر ، فوجدناه صلى الله عليه وسلم
قد قال : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام قال هذا في حجة الوداع ، بعد
نزول : * ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * بيقين وبعد نزول * ( خذ من أموالهم صدقة ) *
بيقين لا شك فيه عند أحد من المسلمين ، لان هاتين الآيتين نزلتا في صدر
الهجرة ، فوجب بهذا النص أن لا يؤخذ من مال أحد شئ إلا بنص على ما أخذه
الاحكام — صفحة 998
مساهمون: ابن حزم
ص٩٩٨