خلاف ذلك ، فترك قوله ورجع إلى ما بلغه ، وكان ينهى عن متعة الحج ، حتى
وقف على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بها ، فترك قوله ورجع إلى ما بلغه ، وأمر برجم
مجنونة زنت ، حتى أخبره علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلاما معناه : إن المجنون
قد رفع عنه القلم ، فرجع عن رجمها .
ونهى عن التسمي بأسماء الأنبياء ، فأخبره طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كناه أبا
محمد فأمسك ، ولم يتماد على النهي عن ذلك ، وأراد ترك الرمل في الحج ، ثم ذكر
أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ، فرجع عما أراد من ذلك ، ومثل هذا كثير .
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر أن أصحابه قد يخطئون في فتياهم ، فكيف
يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول إنه صلى الله عليه وسلم يأمر باتباعهم
فيما قد خطأهم فيه ؟ وكيف يأمر بالاقتداء بهم في أقوال قد نهاهم عن القول بها ،
وكيف يوجب اتباع من يخطئ ؟ ولا ينسب مثل هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاسق
أو جاهل ، لا بد من إلحاق إحدى الصفتين به ، وفي هذا هدم الديانة ، وإيجاب
اتباع الباطل ، وتحريم الشئ وتحليله في وقت واحد ، وهذا خارج عن المعقول
وكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ومن كذب عليه ولج في النار . نعوذ بالله من ذلك .
وأما قولهم : إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم به ، فإنه
يلزمهم على هذا أن التابعين شهدوا الصحابة فهم أعلم بهم ، فيجب تقليد التابعين .
وهكذا قرنا فقرنا ، حتى يبلغ الامن إلينا فيجب تقليدنا . وهذه صفة دين
النصارى في اتباعهم أساقفتهم ، وليست صفة ديننا والحمد لله رب العالمين .
وقد قلنا ونقول : إن كل ما احتجوا به مما ذكرنا لو كان حقا لكان عليهم
لا لهم ، لأنه ليس في تقليد الصحابة ما يوجب تقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي ،
فمن العجب العجيب أنهم يقلدون مالكا وأبا حنيفة والشافعي ، فإذا أنكر
ذلك عليهم احتجوا بأشياء يرومون بها إيجاب تقليد الصحابة ، وهم يخالفون
الصحابة خلافا عظيما فهل يكون أعجب من هذا ونعوذ بالله من الخذلان .
وليس من هؤلاء الفقهاء المذكورين أحد إلا وهو يخالف كل واحد من
الاحكام — صفحة 816
مساهمون: ابن حزم
ص٨١٦