الصحابة في مئين من القضايا ، وفي عشرات منها ، فقد بطل ما نصروا ، وتركوا
ما حققوا ، وقد ذكرنا في باب الاجماع إبطال قول من قال باتباع الصاحب الذي
لا مخالف له يعرف من الصحابة . وبينا هنالك أنهم الناس لذلك ، وأنهم قد
خالفوا أحكاما كثيرة لعمر ، بحضرة المهاجرين والأنصار ، لم يرو عن واحد منهم
إنكار لفعله ذلك كإضعافه الغرم على حاطب في ناقة المزني وغير ذلك ، وهذا
حكم مشتهر منتشر لم يعارضه فيه أحد من الصحابة ، ولا روي عن أحد منهم
إنكارا لذلك ، فقد تركوه هم يشهدون أن حكم الصاحب الذي لا يعرف له مخالف
من الصحابة هو الحق ، فقد أقروا على أنفسهم أنهم تركوا الحق ، وأنهم أصروا
على ما فعلوا وهم يعلمون .
ويقال لهم أيضا : كيف كان حال حكم الصحابي الواحد الذي لا يعرف له
مخالف قبل أن يشتهر وينتشر ؟ أكان لازما أن يؤخذ به ؟ أو كان غير لازم ؟
فإن قال : كان غير لازم ، أوجب أن ذلك الحكم في الدين وجب بعد أن كان غير
واجب ، وهذا كفر وتكذيب لله عز وجل في قوله : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * .
وإن قال : كان لازما ، فقد أوجب لزومه قبل الانتشار ، وسقط شرطهم الفاسد
في الانتشار ، وهذا القول الفاسد يوجب أن دين الله مترقب فإن انتشر لزم ،
وإن لم ينتشر لم يلزم ، وهذا كفر بارد ، وشرك وسخف . وبالله تعالى التوفيق .
وهم يخالفون عمر وزيد بن ثابت في قضاء عمر في الضلع بحمل ، وفي الترقوة
بحمل ، وفي قضاء زيد في العين القائمة بمائة دينار ، ولا يعرف له من الصحابة
مخالف ، حتى تحكم بعضهم فلم يستحي من الكذب فقال : إنما كان ذلك منهما
على وجه الحكومة .
قال أبو محمد : وهذه دعوى فاسدة لا دليل لهم على صحتها أصلا . ولا يعجز
عن مثلها أحد ، ويقال لهم مثل ذلك في تقويم الدية بألف دينار وبعشرة آلاف
درهم ، أو باثني عشر ألف درهم ولا فرق .
وخالفوا ابن عمر وأبا برزة في قولهما : إن كل متبايعين فلا بيع بينهما حتى
يتفرقا بأبدانهما عن مكان البيع ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة .
الاحكام — صفحة 817
مساهمون: ابن حزم
ص٨١٧