تقليد عمر لأبي بكر ما يوجب تقليد أهل زماننا لمالك وأبي حنيفة فبطل
تمويههم بما ذكروا .
والرابع : أن المحتج بما ذكرنا عن عمر ينبغي أن يكون أوقح الناس ، وأقلهم حياء ،
لأنه احتج بما يخالفه ، وانتصر بما يبطله ، لأنه لا يستحي مما استحى منه عمر ،
لان المحتجين بهذا يخالفون أبا بكر وعمر في أكثر أقوالهم ، وقد ذكرنا خلاف
المالكيين لما رووا في الموطأ عن أبي بكر وعمر فيما خلا من كتابنا ، فأغنى عن
ترداده ، وبينا أنهم رووا عن أبي بكر ست قضايا خالفوه منها من خمس ، وخالفوا
عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ فقط . فهلا استحيا من هذا المحتج مما
استحيا منه عمر ويلزمه أن يقلد أبا بكر وعمر ، وإلا فقد أقر على نفسه
بترك الحق ، إذ ترك قول عمر ، وهو يحتج بقوله في إثبات التقليد .
والخامس : أنه لو صح أن عمر قلد - وقد أعاذه الله من ذلك - لكان هو
وسائر من خالفه من الصحابة ، وأبطلوا التقليد راجيا أن ترد أقوالهم إلى
النص ، فلأيها شهد النص أخذ به ، والنص يشهد لقول من أبطل التقليد .
واحتجوا بما حدثناه محمد بن سعيد ، ثنا أحمد بن عون الله ، ثنا قاسم بن أصبغ ،
ثنا الخشني ، ثنا بندار ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن الشعبي ،
أن جندبا ذكر له قول في مسألة من الصلاة لابن مسعود ، فقال جندب :
إنه لرجل ما كنت لأدع قوله لقول أحد من الناس .
وبه إلى الشعبي عن مسروق قال : كان ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفتون
الناس : ابن مسعود ، وعمر بن الخطاب ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ،
وأبو موسى الأشعري ، وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة : كان عبد
الله يدع قوله لقول عمر ، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي ، وكان زيد
يدع قوله لقول أبي بن كعب .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه : أحدها : أن راوي هذين الخبرين
جابر الجعفي وهو كذاب ، فسقط الاحتجاج به . وأيضا فكذب هذا الحديث الأخير بين ظاهر ، بما هو في الشهرة والصحة
كالشمس ، وهو أن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده ،
الاحكام — صفحة 799
مساهمون: ابن حزم
ص٧٩٩