قال أبو محمد : فقد بين مسروق أنه جربهم فوجد ابن مسعود لا يقصر عن
عمر في العلم ، بل كلام مسروق يدل على تقدم ابن مسعود عنده على عمر
في العلم ، ولذلك اكتفى به عنه ، وقد ذكرنا في باب الاجماع من كتابنا هذا -
في باب من ادعى أن الاجماع هو إجماع أهل المدينة - صفة منزلة ابن مسعود
عند عمر في العلم في كتابه إلى أهل الكوفة .
واحتج بعضهم بأن قال : لا بد من التقليد ، لأنك تأتي الجزار فتقلده في أنه
سمى الله عز وجل ، وممكن أن يكون لم يسم ، وهكذا في كل شئ .
قال أبو محمد : المحتج بهذا إما كان بمنزلة الحمير في الجهل ، وإما كان رقيق
الدين لا يستحي ولا يتقي الله عز وجل ، فيقال له : إن كان ما ذكرت عندك
تقليدا ، فقلد كل فاسق وكل قائل ، وقلد اليهود والنصارى فاتبع دينهم ، لأنا
كذلك نبتاع اللحم منهم . ونصدقهم أنهم سموا الله تعالى على ذبائحهم ، كما نبتاعه
من المسلم الفاضل ، ولا فرق ، ولا فضل بين ابتياعه من زاهد عابد ، وبين ابتياعه
من يهودي فاسق ، ولا أثرة ولا فضيلة لذبيحة العالم الورع على ذبيحة الفاسق
الفاجر ، فقلد كل قائل على ظهر الأرض وإن اختلفوا ، كما نأكل ذبيحة كل
جزار من مؤمن أو ذمي .
فإن قال بذلك خرج عن الاسلام وكفى مؤونته ، ولزمه ضرورة ألا يقلد
عالما بعينه دون من سواه ، كما أنه لا يقلد جزارا بعينه دون من سواه ، وإن
أبى من ذلك فقد أبطل احتجاجه بتقليد الجزار وغيره ، وسقط تمويهه .
ولكن ليعلم الجاهل أن هذا الذي شغب به هذا المموه - من تصديقنا الجزار
والصانع وبائع سلعة بيده - : ليس تقليدا أصلا ، وإنما صدقناهم لان النص
أمر بتصديقهم ، وقد سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه بعينها
فقالوا : يا رسول الله إنه يأتي قوم حديثو عهد بالكفر بذبائح لا ندري أسموا
الله تعالى عليها فقال صلى الله عليه وسلم : سموا الله أنتم وكلوا أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
وأمر تعالى بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم فإن أتونا في تقليد رجل بعينه
بنص على إيجاب تقليده أو بإجماع على إيجاب تقليده صرنا إليه واتبعناهم ، ولم
يكن ذلك تقليدا حينئذ ، لان البرهان كان يكون حينئذ قد قام على وجوب اتباعه .
الاحكام — صفحة 797
مساهمون: ابن حزم
ص٧٩٧