عبد الرحمن بن شريح وغيره ، وعن أبي الأسود ، عن عروة قال : حج علينا عبد الله
ابن عمرو بن العاص فسمعته يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لا ينزع
العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم
فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون .
وأما ما رووه عن أبي مسعود من قوله ، فليجتهد رأيه فهو خبر لا يصح ،
لان محمد بن سعيد بن نبات حدثناه قال : ثنا أحمد بن عون الله ، نا قاسم بن أصبغ ،
ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ، نا محمد بن بشار ، نا محمد بن أبي عدي ، ثنا شعبة ، ثنا
الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن حريث بن ظهير قال الأعمش : أحسبه قال .
قال ابن مسعود : لقد أتى علينا حين وما نسأل وما نحن هناك . ثم ذكر بنصه ،
فصح أن الأعمش شك فيه أهو عن ابن مسعود أم لا . ثم لو صح لكان معناه :
فليجتهد رأيه ، أي ليجهد نفسه حتى يرى السنة في ذلك ، يبين هذا قوله في الخبر
نفسه : ولا يقل إني أخاف وأرى ، فنهاه عن أن يقول أرى ، وهذا نهي عن
الفتيا بالرأي وكذلك قوله فيه نفسه : فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وإن الحلال
بين وإن الحرام بين ، وبينهما مشتبهات فإنما أمره بالتورع والطلب فقط .
وأما الرواية عن عمر فإن فيها نصا تخييره بين اجتهد رأيه أو الترك ،
ورأى الترك خيرا له فصح أنه لم ير القول بالرأي حقا ، لان الحق لا خيار
في تركه لاحد ، ثم هم مخالفون لما فيه أيضا مما ذكرنا من أنهم لا يبدؤون بالطلب
في القرآن - كما في ذلك الخبر - ثم بالسنن ، بل يتركون القرآن لما يصح من
السنن ولما لا يصح ، وهذا خلاف أمر عمر في ذلك الخبر ، فكيف يحتجون
بشئ هم أول مخالف له ، هذا مع أن ظاهر ذلك الخبر الانقطاع .
وأما خبر عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس ، فليس فيه أن ابن عباس
أخبر بذلك عن نفسه ، ولا أنه أمر به ، فإذا هو ظن من عبيد الله ، والثابت
عن ابن عباس النهي عن تقليد أبي بكر وعمر .
الاحكام — صفحة 777
مساهمون: ابن حزم
ص٧٧٧