أو يكون لمعاذ وغيره ، فإن كان ذلك فكل من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به ،
وإذ الامر كذلك فإن كل من فعل ما أمر به فهم كلهم محقون ليس أحد منهم
أولى بالصواب من آخر ، فصار الحق على هذا في المتضادات ، وهذا خلاف
قولهم ، وخلاف المعقول ، بل هذا المحال الظاهر ، وليس حينئذ لاحد أن ينصر
قوله بحجة ، لان مخالفه أيضا قد اجتهد رأيه ، وليس في الحديث الذي احتجوا به
أكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد ، فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر
في الحديث وأيضا فليس أحد أولى من أحد مع هذا ، فلكل واحد منا أن يجتهد
برأيه ، فليس من اتبعوا أولى من غيره ، ومن المحال البين أن يكون ما ظنه الجهال
في حديث معاذ - لو صح - من أن يكون صلى الله عليه وسلم يبيح لمعاذ أن يحلل
برأيه ويحرم برأيه ، ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه وهذا ما لا يظنه
مسلم ، وليس في الشريعة شئ غير ما ذكرنا البتة .
وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقع فيه المشورة منه ، وفرق بينه وبين
الدين ، كما حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي ، نا أبو بكر بن مفرج القاضي ،
ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي ، نا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، نا
عمرو بن علي ، نا عفان بن مسلم ، نا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ،
عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا فقال : ما هذه الأصوات ؟ قالوا :
النخل يؤبرونه ، فقال : لو لم يفعلوا لصلح فأمسكوا عنه فصار شيصا ،
فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم ، وإن
كان شيئا من أمر دينكم فإلي .
وبه إلى البزاز : نا هدبة بن خالد ، نا جهاد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوتا في النخل ، فقال : ما هذا ؟ قال : يؤبرون النخل
قال : لو تركوها أصلحت ، فتركوها فصارت شيصا ، فأخبروه بذلك فقال :
أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم ، وأما آخرتكم فإلي .
قال أبو محمد : فهذه عائشة وأنس لم يدعا في روايتها إشكالا ، وأخبرا أنه عليه
السلام أعلمنا أننا أعلم بما يصلحنا في دنيانا منه ، ففي هذا كان يشاور أصحابه ،
الاحكام — صفحة 775
مساهمون: ابن حزم
ص٧٧٥