وعن الاجماع فهو حق بلا شك ، وإنما ينكر عليهم أن يستخرجوا من كلام
النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن إجماع الأمة معنى لا يفهم من مسموع ذلك الكلام ، ولا يقتضيه
موضوعه في اللغة العربية ، فهذا الذي راموا نصره وخالفناهم فيه ، لا ما أخذ
عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأئمة الناقلين للحكم عنه صلى الله عليه وسلم ، ومن استجاز مثل هذا
التمويه في دين الاسلام فلا يستجيزه من له دين أو حياء .
فإن تعلقوا بحديث رويناه عن عمر في سبب نزول هذه الآية وفيه : أن عمر قال :
فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الامر فلا حجة لهم فيه ، بل هو عليهم لا لهم ،
وهو حديث حدثناه عبد الله بن يوسف ، نا أحمد بن فتح ، نا عبد الوهاب بن عيسى
ثنا أحمد بن محمد ، نا أحمد بن علي ، نا مسلم ، حدثني زهير بن حرب ، نا عمر بن يونس
الحنفي ، ثنا عكرمة بن عمار ، عن سماك أبي زميل قال حدثني عبد الله بن العباس ، حدثني
عمر بن الخطاب - فذكر حديث إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه ، وأن عمر قال :
فقلت يا رسول الله ، ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهم فإن
الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلما
تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ،
ونزلت الآية آية التخيير : * ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما
وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك
ظهير ) * قال عمر : فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي ، لم يطلق رسول الله
صلى الله عليه وسلم نساءه ، ونزلت هذه الآية : * ( وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا
به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * قال
عمر : فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الامر وأنزل الله عز وجل آية التخيير .
قال أبو محمد : وقبل كل شئ فهذا اللفظ إنما روي من هذه الطريق ، وفيها
عكرمة بن عمار وهو منكر الحديث جدا ، وقد روينا من طريقه حديثا موضوعا
مكذوبا من طريق هذا الاسناد نفسه ، عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل ، عن ابن
عباس وهكذا لا شك فيه ، ليس في سنده أحد متهم غيره . وهذا الحديث الذي فيه
أن أبا سفيان بن حرب بعد إسلامه كان المسلمون يجتنبونه ، وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم
أن يتزوج ابنته أم حبيبة وأن يستكتب ابنه معاوية وأن يستعمله يعني نفسه - ويوليه .
الاحكام — صفحة 763
مساهمون: ابن حزم
ص٧٦٣