وليس ما رآه بعض المسلمين بأولى بالاتباع مما غيرهم من المسلمين ، ولو كان
ذلك لكنا مأمورين بالشئ وضده ، وبفعل شئ وتركه معا ، وهذا محال لا سبيل
إليه ، ثم يقال لهم : ما معنى قولكم : الاستحسان في هذه المسألة وجه كذا ؟ .
فجوابهم في ذلك أحد جوابين :
أحدهما : ما كانوا عليه فيما قارب عصر أبي حنيفة ومالك ، وهو الذي يرونه
أحوط أو أخف أو أقرب من العادة والمعهود ، أو أبعد من الشناعة ، وهذا كله
بالجملة راجع إلى ما طابت عليه أنفسهم ، وهذا باطل بقوله تعالى : * ( ونهى النفس عن
الهوى فإن الجنة هي المأوى ) * * ( إن النفس لامارة بالسوء ) * وبقوله تعالى :
* ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) * وقال تعالى : * ( ومن أضل ممن اتبع هواه
بغير هدى من الله ) * .
وفي هذه الآي إبطال أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نص أو إجماع ،
ولا يكون أحد أحوط على العباد المؤمنين من الله خالقهم ورازقهم ، وباعث الرسل
إليهم ، والاحتياط كله اتباع ما أمر الله تعالى به والشناعة كلها مخالفته ، ولا مني
لما نافرته قلوب لم تعتده ، وهذا كله ظنون فاسدة لا تجوز إلا عند من لم يتمرن
بمعرفة الحقائق ، ولا حسن إلا ما أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم أو أباحاه ،
ولا قبيح ولا شنيع إلا ما نهى عنه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وجواب لهم ثان : أجاب به الكرخي ، وهو أن قال : هو أدق القياسين .
قال أبو محمد : وهذا القول يبطله كل ما نورده إن شاء الله في باب إبطال
القياس من ديواننا هذا . وبالله تعالى التوفيق .
ويقال لهم : إن كان ههنا قياس يوجب ترك قياس آخر ويضاده ويبطله فقد
صح بطلان دلالة القياس بإقراركم ، وصح بالبرهان الضروري إبطال القياس كله
جملة بهذا العمل ، لان الحق لا يتضاد ولا يبطل بعضه بعضا ، ولا يضاد برهان
برهانا أبدا ، لان معنى المضاد أن يبطل أحد المعنيين الآخر ، والشئ إذا أبطله
الحق فقد بطل ، والباطل لا يكون حقا في حال كونه باطلا ، وإذا أبطل بعض
الشئ بعضا فواجب أن يكون كله باطلا ، لما قلنا من أن الحق لا يبطل بعضه
الاحكام — صفحة 760
مساهمون: ابن حزم
ص٧٦٠