مسكين ، عن ابن القاسم ، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول : إن نظن إلا ظنا وما
نحن بمستيقنين .
قال أبو محمد : ونحن نقول لمقال بالاستحسان : ما الفرق بين ما استحسنت
أنت واستقبحه غيرك ، وبين ما استحسنه غيرك واستقبحته أنت ؟ وما الذي
جعل أحد السبيلين أولى بالحق من الآخر ؟ وهذا ما لا انفكاك منه ،
وبالله تعالى التوفيق .
وأما الاستنباط فإن أهل القياس ربما سموا قياسهم استنباطا ، وهو مأخوذ
من أنبطت الماء ، وهو إخراجه من الأرض والتراب والأحجار ، وهو
غيرها ، فالاستنباط هو استخراج الحكم من لفظ هو خلاف لذلك الحكم ،
وهذا باطل ، ومن العجب أنه احتجوا في ثباته بقول الله عز وجل : * ( ولو ردوه
إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * وهذا من عظيم
مجاهرتهم الدالة على رقة دين من احتج بهذا في إثبات الاستنباط غشا لمن اعتبر
به ، وتلبيسا على من أحسن الظن بكلامه .
وهذه الآية مبطلة الاستنباط بلا شك ، لان ( لو ) في كلام العرب - الذي
نزل به القرآن - حرف يدل على امتناع الشئ لا امتناع غيره ، فنص تعالى على
أن المستنبطين لو ردوه إلى الرسول وإلى أهل العلم الناقلين لسنن النبي صلى الله عليه وسلم
لعلموا الحق فلم يردوه واتكلوا على استنباطهم ، فلم يعلموا الحق ، هذا شئ
ظاهر لا يجوز أن يحتمل تأويلا غير ما ذكرنا ، ولا حجة أعظم في إبطال
الاستنباط من هذه الآية لو أنصفوا أنفسهم .
وقد قال بعضهم : إن الضمير في قوله تعالى :
راجع إلى الرسول وإلى أولي الامر ، لا إلى الضمير الذي في .
قال أبو محمد : وهذا ليس بمخرج للفظ الآية عن إبطال الاستنباط الذي
يريدون نصره ، لأنه إن كان كما ذكروا فمعنى الآية حينئذ : إنهم لو ردوه إلى
الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلم الحق الذين يستنبطونه أي يستخرجون علمه
من عند الرسول وأولي الأمر .
قال أبو محمد : وهذا قولنا لا قولهم ، لان كل قول أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم
الاحكام — صفحة 762
مساهمون: ابن حزم
ص٧٦٢