نكاح امرأة أمه أرضعته رضعتين فأفتاه بنكاحها ، أتبيح له ذلك ، وتقول :
إنه لازم الاخذ بقوله .
أو سأل حنفيا عن المساقاة ، أتجوز ؟ فحرمها عليه ، أيكون الاخذ بتحريم
المساقاة واجبا عليه ؟ .
فإن قال نعم ، قيل له : من أوجب عليه تحريم ذلك ؟ ، إذ يقول : إنه
واجب عليه أن يأخذ بقول الفقيه الذي يفتيه ، أنت أم الله عز وجل ؟ فإن
قال : الله عز وجل ، كذب على الله تعالى ، وأقر مع ذلك أن الله تعالى أوجب
عليه خلاف مذهبه ، وإن قال : أنا أوجبت ذلك ترك مذهبه ، وزادنا أنه
يحرم ويحلل ، وهذا خروج عن الاسلام .
وكذلك يسأل الحنفي عن عامي استفتى مالكيا عن كلام الامام في الصلاة
بما فيه إصلاحها ، فأفتاه بجواز ذلك ، أيلزمه الاخذ بقوله فيصير له الكلام
في الصلاة مباحا ؟ ثم يلزمه كل ما ذكرنا آنفا .
وهكذا نسأل كل معتقد لمسألة يستعظم مخالفة من خالفه فيها من عامي سأل
فقيها فأفتاه بما يستعظمه هذا الذي نسأله نحن ، أفرض الله تعالى عليه قبول
ذلك المعنى أم لا ؟ فإن قال : لا ، ترك قوله الفاسد : إن العامي قد فرض الله
تعالى عليه قبول ما أفتاه الفقيه المسؤول ، وإن لج وقال : نعم ، صار حاكما
بتحريم شئ وتحليله في وقت واحد على إنسان واحد من وجه واحد وبإيجابه
وسقوطه في وقت واحد وجعل حكم الله تعالى مردودا إلى حكم ذلك
المفتي ، وجعل حكم ذلك المفتي مبطلا لحكم الله تعالى ، ولحكم رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل دين
الله تعالى موكولا إلى آراء الرجال ، ومتبدلا بتبدل الفتاوى ، فمرة ساقطا
ومرة لازما ، وفي هذا مفارقة الاسلام ، ومكابرة العقل ، وإبطال الحقائق ،
وبالله تعالى التوفيق .
والناس فيما يعتقدونه ولا يخلون من أحد أربعة أوجه لا خامس لها : إما أن
يكون المرء طلب الصواب فأداه اجتهاده إلى الصواب حقا فاعتقده على بصيرة ،
وإما أن يكون طلب الصواب فحرم إدراكه لبعض العوارض التي سبقت له في علم
الاحكام — صفحة 871
مساهمون: ابن حزم
ص٨٧١