ولا قصد الباطل وهو يعلمه باطلا فيأثم ، فهذه حقيقة البيان في هذه المسألة
واليقين فيها والحق عند الله بلا شك ، وما عدا هذا فحيرة ودعوى بلا دليل .
فإن سأل العامي فقيهين فصاعدا فاختلفوا عليه ، فقد قال قوم : يأخذ بالأخف ،
وقال قوم : يأخذ بالأثقل ، وقال قوم : لا يلزمه منها ، وقال قوم : هو مخير
يأخذ ما يشاء من ذلك .
قال أبو محمد : أما من قال : هو مخير ، فقد أمره باتباع الهوى ، وذلك حرام
وأخطأ بلا شك ، وجعل الدين مردودا إلى اختيار الناس يعمل بما شاء ، وأجاز
فيه الاختلاف ، والله تعالى يقول : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا
كثيرا ) * وقال تعالى : * ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) * وقال تعالى : * ( ومن أضل ممن اتبع
هواه بغير هدى من الله ) * فالاختلاف ليس من أمر الله تعالى الذي أباحه وأمر به .
وقد علمنا أن حكم الله تعالى في الدين حكم واحد ، وأن سائر ذلك خطأ وباطل ،
فقد خيره هذا القائل في أخذ الحق أو تركه ، وأباح له خلاف حكم الله تعالى ،
وهذا الباطل المتيقن بلا شك ، فسقط هذا القول بالبرهان الضروري .
وأما من قال : يأخذ بالأثقل فلا دليل على صحة قوله أيضا ، وكذلك قول
من قال : يأخذ بالأخف ، وكل قول بلا دليل فهي دعوى ساقطة ، فإن احتج
بقول الله عز وجل : * ( يريد الله بكم اليسر ) * فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى
فهو يسر ، وبقوله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * .
قال أبو محمد : والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق : إنه إن أفتاه فقيهان فصاعدا
بأمور مختلفة نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو غير فاسق بتركه قبول شئ منها ،
لأنه إنما يلزمه ما ألزمه النص في تلك المسألة ، وهو لم يدره بعده ، فهو غير آثم
بتركه ما وجب مما لم يعلمه ، لكنه يتركهم ويسأل غيرهم ، ويطلب الحق .
مثال ذلك : رجل سأل : كيف أحج ؟ فقال له فقيه : أفرد ، فهكذا فعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي لم يكن له بعد الهجرة غيرها .
وقال له آخرون : اقرن ، فهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي لم تكن
له بعد الهجرة غيرها .
وقال له آخرون : تمتع ، فهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي
الاحكام — صفحة 869
مساهمون: ابن حزم
ص٨٦٩