لم يقصد بذلك الله تعالى . ولا يكون من هم بالسيئة مصرا إلا من تقدم منه مثل
ذلك الفعل ، قال الله تعالى : * ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) * فصح أن لا إصرار
إلا على من قد عمل بالشئ الذي هو مصر عليه ، وهو عالم بأنه حرام عليه ، وأما
من هم بقبيح ولم يفعله قط ، فهو هام به لا مصر عليه ، بالنصوص التي ذكرنا .
فإن قال قائل : ما تقولون في حربي كافر لقي مسلما فدعاه المسلم إلى الاسلام
فأسلم ، ثم علمه الشرائع ، وقال له : هذه شرائع الاسلام ، أيلزمه العمل بما أخبره
من ذلك أم لا ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق : الكلام في هذا كالكلام فيما تقدم .
وهو أن ما كان مما أمره به موافقا للنص أو الاجماع ، فهو واجب عليه قبوله ،
ومأجور فيه إن عمله أجران ، وعاص فيه إن لم يفعله ، وما كان من ذلك بخلاف
النص فهو غير واجب عليه ، ولا يأثم في ترك العمل به ، إلا إن استسهل خلاف
ما ورد عليه من النص ، فهو آثم في هذه النية فقط ، فلو عمل بذلك أجر أجرا
واحدا بقصده إلى الخير فقط ، ولم يؤجر على ذلك العمل ، ولا إثم فيه ، لأنه
ليس حقا فيؤجر عليه ، ولم يقصد عمل الخطأ وهو يعلمه فيأثم عليه ، وهذا حكم
العامي في كل ما أفتاه فيه فقيه من الفقهاء . وهذا حكم العالم فيما اعتقده ، وأفتى
به ، باجتهاد لا يوقن فيه أنه مصيب للحق عند الله عز وجل .
فهي أربع مراتب هو : إنسان عمل بالحق وهو يدري أنه حق ، فله
أجران : أجر النية وأجر العمل ، وآخر عمل الباطل وهو يدري وهو يدري أنه باطل ،
فله إثمان : إثم النية وإثم العمل ، وقال تعالى : * ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) * .
فالنية عمل النفس المجرد ، والعمل على الجوارح بتحريك النفس لها ، فهما عملان
متغايران ، وثالث عمل بالحق وهو يظنه باطلا ، أو ترك الباطل وهو يظن أن ذلك
الباطل الذي ترك حق ، فلا إثم عليه فيما عمل ، ولا فيما ترك ، لأنه لم يعمل محرما
عليه ، ولا ترك واجبا عليه ، ولا يؤجر أيضا في شئ من ذلك ، لأنه لم يقصد
بنيته في ذلك وجه الله تعالى ، فإن نوى في ذلك استسهال مخالفة الحق فهو آثم
بهذه النية فقط ، لا بما فعل ولا بما ترك . ورابع عمل بالباطل وهو يظنه حقا
أو ترك الحق وهو يظنه باطلا ، فهذا مأجور في نيته للخير أجرا واحدا ، ولا إثم
عليه فيما فعل ولا فيما ترك ولا أجر أيضا ، لأنه لم يعمل صوابا فيؤجر .
الاحكام — صفحة 868
مساهمون: ابن حزم
ص٨٦٨