الله تعالى ، وإما أن يكون قلد فوافق في تقليده الصواب ، وإما أن يكون قلد
فوافق في تقليده الخطأ .
فأما الوجهان الأولان فقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من اجتهد فأصاب
فله أجران ، وأن من اجتهد فأخطأ فله أجر ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا اجتهد
الحاكم عموم لكل مجتهد ، لان كل من اعتقد في مسألة ما حكما ما فهو حاكم
فيها لما يعتقد ، هذا هو اسمه نصا لا تأويلا ، لان الطلب غير الإصابة ، وقد
يطلب من لا يصيب على ما قدمنا ، ويصيب من لا يطلب ، فإذا طلب أجر
فإذا أصاب فقد فعل فعلا ثانيا ، يؤجر عليه أجرا ثانيا أيضا .
فإن أشكل عليه بعد طلبه ، فلم يأت محرما عليه ولا اعتمد معصية ، فلا إثم
عليه ولم يفعل ما أمر به من الإصابة فلا أجر له فيما لم يفعل ، وله بالطلب أجر واحد .
ولكن الطلب يختلف ، فمنه طلب أمر به ، وطلب لم يؤمر به ، فالطلب الذي
أمر به هو الطلب في القرآن والسنن ودليلهما ، فمن طلب في هذه المعادن الثلاثة
فقد طلب كما أمر . فله أجر الطلب ، لأنه مؤد لما أمر به منه على ما ذكرنا .
والطلب الذي لم يؤمر به هو الطلب في القياس ، وفي دليل الخطاب وفي الاستحسان
وفي قول من دون النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يطلب كما أمر ، فلا أجر له على طلب ذلك
لكن لما كانت نيته بذلك القصد إلى الله عز وجل وطلب الحق وابتغاءه ،
كان غير قاصد إلى الخطأ وهو يدري أنه خطأ ، فله من ذلك نية من هم بخير
وهم بحسنة ، وهي الطلب الذي لم يفعله . وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال : من هم بحسنة ولم يعملها فإنها تكتب له حسنة والحسنة بلا شك أجر ،
فالاجر هنا يتفاضل ، فمن هم بالطلب ثم طلب كما أمر فله عشر حسنات ، لأنه
هم بحسنة فعملها ، ومن هم بالطلب كما أمر ، فله حسنة واحدة ، لأنه
لم يعملها كما أمر .
حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى ، ثنا أحمد
ابن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم ، ثنا أبو كريب ، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن هشام ،
عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هم بحسنة فلم
يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة
الاحكام — صفحة 872
مساهمون: ابن حزم
ص٨٧٢