الحس ، وبديهة العقل ، ومن خالف فيها فهو سوفسطائي ، مكابر للعيان ، وبالله التوفيق .
قال علي : وقد أشار قوم من إخواننا إلى أنه لا يقبل تطوع من عليه فرض .
قال علي : وهذا إذا أجمل دون تفسير أو خطأ ، وذلك أن الحديث قد صح عن
النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يجيز صلاة من لم يتم فرض صلاته بتطوع إن كان له
وكذلك الزكاة ، وكذلك سائر الأعمال .
قال علي : والصحيح في هذا الباب أن كل فرض تعين في وقت لا فسحة فيه ،
فإنه لا يجزي أحدا أداه غيره في ذلك الوقت ، وذلك كإنسان أراد صيام نذر عليه ،
أو تطوع في شهر رمضان وهو مقيم صحيح ، فهذا لا يجزيه ، أو كإنسان لم يبق عليه
من وقت الصلاة إلا مقدار ما يدخل فيها فقط ، فهذا حرام عليه أن يتطوع
أو يقضي صلاة عليه ، أو يصلي صلاة نذر عليه ، حتى تتم التي حضر وقتها بلا مهلة
ولا فسحة ، فإن قضى حينئذ صلاة فاتته لم تجزئه ، وعليه قضاؤها ثانية ، وكذلك
إن صلى صلاة نذر عليه ، وليس كذلك من لزمته زكاة ، ولم يبق من ماله إلا قدر
ما يؤدي ما وجب عليه منها فقط ، إلا أن له غنى بعد ذلك ، فهذا يجزئه أن يتصدق
بما شاء منه تطوعا ، وأن يؤدي منه نذرا ، بخلاف ما ذكرنا قبل ، لان الزكاة
في ذمته ، لا في عين ما بيده .
وكذلك من أحاطت بماله ديون الناس - حاشا بعد الموت - لان النص منع من
ذلك ، ولم يجعل وصية ولا ميراثا إلا بعد الدين . ولكن من حضره وقت الحج
وهو مستطيع ، فلا يجزئه أن يحج تطوعا ولا نذرا قبل أداء الفرض ، وكذلك
العمرة ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ،
فالمستطيع للحج مأمور بأدائه حينئذ ، ومن حضر رمضان فهو مأمور بصيامه لرمضان ،
ومن لم يبق عليه من وقت صلاته إلا مقدار ما يدخل فيها فهو مأمور بالدخول فيها ،
فإذا فعل غير ما أمر به فهو رد بنص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك من لم
يبق بيده من ماله إلا مقدار الزكاة ، أو مقدار ديون الناس ، لأنه ليس مأمورا
بأداء ذلك مما بيده ، ولا بد لأنه لو استقرض مالا فأدى منه الزكاة التي عليه ،
وديون الناس التي عليه أجزأه ذلك بلا خلاف ، ولم يجز للقاضي أن يلزمه الأداء
من ماله ولا بد ، والصلاة والحج والصيام في أوقاتها بخلاف ذلك .
الاحكام — صفحة 309
مساهمون: ابن حزم
ص٣٠٩