المغنم قبل القسمة ، فلو جاز أكل ذلك اللحم لما أمر عليه السلام بإكفاء القدور
وهي تفور .
وقد روي من طريق أخرى أنه عليه السلام جعل يرمله بالتراب ويقول : إن
النهبة ليست بأحل من الميتة أو كلاما هذا معناه ، فإن اعترضوا بحديث الشاة
التي روي أنه عليه السلام قال فيها : إني لأجد طعم لحم أخذ بغير إذن أهله ،
أو كلاما هذا معناه ، قال : ثم أمر عليه السلام بإطعامه للأسارى ، فهذا حديث
لا يصح لأنه إنما روي من طريق رجل من الأنصار ، ولم يأت من غير هذه الطريق
أصلا فسقط الاحتجاج به ، وهرقه عليه السلام اللحم من القدور في الأرض ، مع
نهيه عليه السلام عن إضاعة المال ، دليل واضح على أنه لا يحل أكله وهذا نص
قولنا . وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وأما العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين ، قد ورد النص
بالفسحة في تأخيره - فإنه يجب بأول الوقت ، إلا أنه قد أذن له في تأخيره ،
وكان مخيرا في ذلك وفي تعجيله ، فأي ذلك أدى فقد أدى فرضه ، إلا أنه يؤجر
على التعجيل لتحصيله العمل ، واتهمه به ، ولا يأثم على التأخير لأنه فعل ما أبيح له ،
وذلك مثل تأخير المرء الصلاة إلى آخر وقتها الواسع ، ولذلك أسقطنا الملامة
والقضاء عن المرأة تؤخر الصلاة عن أول وقتها فتحيض فعلت ما أبيح لها ،
ومن فعل ما أبيح له فقد أحسن . وقال تعالى : * ( ما على المحسنين من سبيل ) * فسقطت
الملامة . وقد أخر عليه السلام الصلاة إلى آخر وقتها ، فصح بذلك أن ذلك جائز
مباح حسن ، وإن كان التعجيل أحسن ، وسقط القضاء عنها لخروج الوقت ، لأنه يؤدي
عمل إلا في وقته المأمور به ، كما أسقط خصومنا - موافقين لنا - القضاء عن المغمى
عليه أكثر من خمس صلوات ، وبعضهم أسقطها عن المغمى عليه صلاة فما فوقها .
وأما كل عمل محدود الطرف الأول غير محدود الطرف الآخر ، فإن الامر
به ثابت متجدد وقتا بعد وقت ، وهو ملوم في تأخيره ، لأنه لم يفسح له ذلك ،
وكلما أخره حصل عليه اسم التضييع ، وإثم الترك لما أمر به . فإن أداه سقط عنه
إثم الترك ، وقد استقر عليه إثم ترك البدار . ولا يسقطه عنه إلا ربه تعالى بفضله
الاحكام — صفحة 311
مساهمون: ابن حزم
ص٣١١