إن شاء - لا إله إلا هو - كسائر ذنوبه التي لا بد من الموازنة فيها ، لان الأداء
والتعجيل فعلان متغايران كما قدمناه ، وقد يؤدي من لا يعجل ، فصح أنهما شيئان
متغايران ، وكذلك القول في ديون الناس ، فإن المماطل الغني آثم بالمطل ، وآثم
بمنع الحق ، فإذا أدى الحق يوما ما سقط عنه المنع ، وقد استقر إثم المطل عليه
فلا يسقط عنه بالأداء ، لان المنع والمطل شيئان متغايران ، وقد يؤدي ولا يمنع
من قد مطل . ولذلك قلنا ، فيمن غصب مالا فلم يؤده إلى صاحبه حتى مات
المغصوب منه ثم أداه إلى ورثته : إنه باق عليه إثم الغصب من الميت ، وإنما سقط
عنه إثم الغصب من الوارث وهو الثاني ، لأنه لا شك عند كل ذي عقل أن ظلمه
لزيد الموروث غير ظلمه لعمرو الحي الوارث . وقد انتقل ملك المال إلى الوارث ،
وملك الوارث لذلك المال غير ملك المورث له ، هذا شئ يعلم بضرورة العقل
وبديهة الحس . فإن أحدث الغاصب ظلما ثانيا لهذا الحي ، فهو عمل آخر ، وإثم
متجدد ، فإن رد إليه ماله فقد سقط عنه إثم ظلمه إياه ، ولا يسقط ما وجب لزيد
من الحق في حياته إنصاف هذا الغاصب لعمرو بعد موت زيد ، وكذلك لو مات
الغاصب فصرف المال وارثه ، فإنما سقط الاثم عن الوارث الصارف ، لا عن الميت
الغاصب ، لان عمل زيد لا يلحق عمرا إلا بنص أو إجماع ، قال الله عز وجل
: * ( ولا تكسب كل نفس الا عليها ) * وقال تعالى : * ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) *
اللهم إلا أن يرد نص بأن عمل زيد يلحق عمرا بعد موته أو في حياته ، فنقر بذلك
سامعين طائعين ، كالصيام عن الميت والحج عنه وأداء ديونه ، فلو أمر الميت أن
يرد ما غصب في حياته كان قد تبرأ أو سقط عنه إثم الامساك ، وبقي عليه إثم المطل ،
لان كل ذلك أعمال متغايرة ، فلو تطوع امرؤ برد دين أو غصب عن ميت
وجعل الاجر للميت لكان ذلك لاحقا بالميت ومرد عنه على حديث أبي قتادة ،
الاحكام — صفحة 312
مساهمون: ابن حزم
ص٣١٢