- وإنما ذلك النادر - والذي فرط في قضاء رمضان أفطره السفر أو مرض ،
فأما العامد للفطر بغير عذر فليس عليه صيام ، وإنما عليه إثم ترك الصيام ، وفي
هذا كفاية لمن عقل ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وكل أمر علق بوصف ما ، لا يتم ذلك للعمل المأمور به إلا بما
علق به فلم يأت به المأمور كما أمر ، فلم يفعل ما أمر به فهو باق عليه كما كان ، وهو
عاص بما فعل ، والمعصية لا تنوب عن الطاعة ، ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل ،
فمن ذلك : من صلى بثوب نجس أو مغصوب وهو يعلم ذلك ، ويعلم أنه لا يجوز
له ذلك الفعل ، أو صلى في مكان نهي عن الإقامة فيه كمكان نجس ، أو مكان مغصوب ،
أو في عطن الإبل ، أو إلى قبر ، أو من ذبح بسكين مغصوبة ، أو حيوان غيره
بغير إذن صاحبه ، أو توضأ بماء مغصوب ، أو بآنية فضة ، أو بإناء
ذهب ، فكل هذا لا يتأدى فيفرض ، فمن صلى كما ذكرنا فلم يصل ، ومن توضأ
كما ذكرنا فلم يتوضأ ، ومن ذبح كمذكرنا فلم يذبح وهي ميتة لا يحل لاحد أكلها
لا لربها ولا لغيره ، وعلى ذابحها ضمان مثلها حية ، لأنه فعل كل ذلك بخلاف
ما أمر . وقال عليه السلام : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .
قال علي : وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين ، وعن ذبح حيوان غيره
بغير إذن مالكه ، وعن الإقامة في المكان المغصوب ، وأمر بالإقامة للصلاة ،
وبتذكية ما يحل أكله ، وبضرورة العقل ، علمنا أن العمل المأمور به هو غير العمل
المنهي عنه ، ولا يتشكل في العقل غير ذلك ، فذبحه حيوان غيره أو بسكين مغصوبة
ليس هو التذكية المأمور بها ، فإذا لم يذك كما أمر فلم يحل بذلك العمل المنهي عنه
أكل ما لا يحل أكله إلا بالتذكية المأمور بها ، ولا شك في أن إقامته في المكان
المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة ، ولو كان ذلك لكان الله عز وجل
آمرا بها ، ناهيا عنها إنسانا واحدا ، في وقت واحد ، في حال واحدة ، وهذا مما قد
تنزه الحكيم العليم في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وليس
اجتناب الشئ والآتيان به في وقت واحد في وسع أحد ، فصح ما قلنا ، وبالله التوفيق .
وقد عارض في هذا بعض أهل الاغفال بمن طلق أو أعتق في مكان مغصوب ،
أو صبغ لحيته بحناء مغصوبة ، أو تعلم القرآن في مصحف مغصوب .
الاحكام — صفحة 307
مساهمون: ابن حزم
ص٣٠٧