تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
فإن قلت : أي فرق بين أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه ؟ قلت : أقواهم أحسنهم سياسة ، وأعلمهم بأمر الله أكثرهم علما وإجراء للتدبير بمقتضى العلم ، وبين الامرين فرق واضح ، فقد يكون سائسا حاذقا ، ولا يكون عالما بالفقه ، وقد يكون سائسا فقيها ، ولا يجرى التدبير على مقتضى علمه وفقهه . وثانيها : أن الإمامة لا يشترط في صحة انعقادها أن يحضرها الناس كافة ، لأنه لو كان ذلك مشترطا لأدى إلى ألا تنعقد إمامة أبدا لتعذر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض ولكنها تنعقد بعقد العلماء وأهل الحل والعقد الحاضرين ، ثم لا يجوز بعد عقدها لحاضريها أن يرجعوا من غير سبب يقتضى رجوعهم ، ولا يجوز لمن غاب عنها أن يختار غير من عقد له ، بل يكون محجوجا بعقد الحاضرين ، مكلفا طاعة الامام المعقود له ، وعلى هذا جرت الحال في خلافة أبى بكر وعمر وعثمان ، وانعقد إجماع المسلمين عليه . وهذا الكلام تصريح بصحة مذهب أصحابنا في أن الاختيار طريق إلى الإمامة ، ومبطل لما تقوله الامامية من دعوى النص عليه ، ومن قولهم : لا طريق إلى الإمامة سوى النص أو المعجز . وثالثها : أن الخارج على الامام يستعتب أولا بالكلام والمراسلة ، فإن أبى قوتل ، وهذا هو نص الكتاب العزيز : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ) ( 1 ) . ورابعها : أنه يقاتل أحد رجلين : إما رجلا ادعى ما ليس له نحو أن يخرج على الامام من يدعى الخلافة لنفسه ، وإما رجلا منع ما عليه ، نحو أن يخرج على الامام رجل لا يدعى الخلافة ولكنه يمتنع من الطاعة فقط . فإن قلت : الخارج على الامام مدع الخلافة لنفسه ، مانع ما عليه أيضا لأنه قد امتنع من الطاعة ، فقد دخل أحد القسمين في الاخر !
هامش
( 1 ) سورة الحجرات 9 .