ثم قال عليه السلام : " من شغل نفسه بغير نفسه هلك " وذلك أن من لا يوفى
النظر حقه ، ويميل إلى الأهواء ونصرة الأسلاف . والحجاج عما ربى عليه بين الأهل
والأستاذين الذين زرعوا في قلبه العقائد ، يكون قد شغل نفسه بغير نفسه ، لأنه لم ينظر لها
ولا قصد الحق من حيث هو حق ، وإنما قصد نصرة مذهب معين يشق عليه فراقه
ويصعب عنده الانتقال منه ، ويسوءه أن يرد عليه حجة تبطله ، فيسهر عينه ، ويتعب
قلبه في تهويس ( 1 ) تلك الحجة والقدح فيها بالغث والسمين ، لا لأنه يقصد الحق ، بل
يقصد نصرة المذهب المعين وتشييد دليله ، لا جرم أنه متحير في ظلمات لا نهاية لها !
والارتباك : الاختلاط ، ربكت الشئ أربكه ربكا ، خلطته فارتبك ، أي اختلط ،
وارتبك الرجل في الامر ، أي نشب فيه ولم يكد يتخلص منه .
قوله : " ومدت به شياطينه في طغيانه " مأخوذ من قوله تعالى : ( وإخوانهم
يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) ( 2 ) .
وروى : " ومدت له شياطينه " باللام ، ومعناه الامهال ، مد له في الغي ، أي طول له
وقال تعالى : ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) ( 3 ) .
قوله : " وزينت له سيئ أعماله " مأخوذ من قوله تعالى : ( أفمن زين له سوء
عمله فرآه حسنا ) ( 4 ) .
قوله : " التقوى دار حصن عزيز " معناه دار حصانة عزيزة ، فأقام الاسم مقام
المصدر ، وكذلك في الفجور .
ويحرز من لجأ إليه ، يحفظ من اعتصم به .
هامش
( 1 ) تهويس الحجة : إفسادها .
( 2 ) سورة الأعراف 202 .
( 3 ) سورة مريم 75 .
( 4 ) سورة فاطر 8 .