فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا ، والنهار سكنا وقرارا !
وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران ، كأنها شظايا الاذان ،
غير ذوات ريش ولا قصب إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما . لها جناحان
لما يرقأ فينشقا ، ولم ( 1 ) يغلظا فيثقلا . تطير وولدها لاصق بها ، لاجئ إليها ، يقع
إذا وقعت ، ويرتفع إذا ارتفعت ، لا يفارقها حتى تشتد أركانه ، ويحمله للنهوض
جناحه ، ويعرف مذاهب عيشه ، ومصالح نفسه .
فسبحان البارئ لكل شئ ، على غير مثال خلا من غيره !
* * *
الشرح :
الخفاش ، واحد جمعه خفافيش ، وهو هذا الطائر الذي يطير ليلا ولا يطير نهارا ، وهو
مأخوذ من الخفش ، وهو ضعف في البصر خلقة ، والرجل أخفش ، وقد يكون علة ، وهو الذي
يبصر بالليل لا بالنهار ، أوفى يوم غيم لا في يوم صحو .
وانحسرت الأوصاف : كلت وأعيت . وردعت : كفت . والمساغ : المسلك .
قال : " أحق وأبين مما ترى العيون " ، وذلك لان العلوم العقلية إذا كانت ضرورية
أو قريبة من الضرورية ، كانت أوثق من المحسوسات ، لان الحس يغلط دائما ، فيرى الكبير
صغيرا كالبعيد ، والصغير كبيرا ، كالعنبة في الماء ترى كالإجاصة ، ويرى الساكن متحركا ،
كحرف الشط إذا رآه راكب السفينة متصاعدا ، ويرى المتحرك ساكنا كالظل ، إلى غير ذلك
من الأغاليط والقضايا العقلية الموثوق بها ، لأنها بديهية أو تكاد ، فالغلط غير داخل عليها .
قوله : " يقبضها الضياء " أي يقبض أعينها .
قوله : " وتتصل بعلانية برهان الشمس " كلام جيد في مذاهب الاستعارة .
هامش
( 1 ) د : " ولما " .