عقله مما اعتراه من خوف التتار ، أو لأمر سلطه الله تعالى عليه فكان يهذي بالتتار بكرة
وعشية ، وكل وقت وكل ساعة ويقول هو ذا هم قد خرجوا من هذا الباب ، قد
هجموا من هذه الدرجة ، ويرعد ويحول لونه ، ويختل كلامه وحركاته .
وحكى لي فقيه خراساني وصل إلى بغداد يعرف بالبرهان ، قال كان أخي معه ،
وكان ممن يثق خوارزم شاه به ، ويختصه ، قال لهج خوارزم شاه لما تغير عقله بكلمة كان
يقولها : " قراتتر كلدى " يكررها ، وتفسيرها : " التتر السود قد جاؤوا " ، وفي التتر صنف
سود يشبهون الزنج ، لهم سيوف عريضة جدا على غير صورة هذه السيوف ، يأكلون لحوم
الناس فكان خوارزم شاه قد أهتر وأغرى بذكرهم .
وحدثني البرهان ، قال : رقى به شمس الدين أنليمش إلى قلعة من قلاع الهند ، حصينة
عالية شاهقة لا يعلوها الغيم أبدا ، وإنما تمطر السحب من تحتها . وقال له : هذه القلعة لك
وذخائرها أموالك ، فكن فيها وادعا آمنا إلى أن يستقيم طالعك ، فالملوك ما زالوا هكذا ، يدبر طالعهم ثم يقبل فقال له : لا أقدر على الثبات فيها ، والمقام بها ، لان التتر سوف
يطلبونني ، ويقدمون إلى هاهنا ، ولو شاءوا لوضعوا سروج خيلهم واحدا على واحد تحت
القلعة ، فبلغت إلى ذروتها ، وصعدوا عليها ، فأخذوني قبضا باليد ، فعلم أنليمش أن عقله قد
تغير ، وأن الله تعالى قد بدل ما به من نعمة فقال : فما الذي تريد ؟ قال : أريد أن تحملني
في البحر المعروف ببحر المعبر إلى كرمان ، فحمله في نفر يسير من مماليكه إلى كرمان ، ثم
خرج منها إلى أطراف بلاد فارس ، فمات هناك في قرية من قرى فارس ، وأخفى موته ،
لئلا يقصده التتر ، وتطلب جثته ( 1 ) .
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 9 : 334 فصل واف عن خوارزم شاه وسيرته .