لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم منكم ، لقد
كانوا يصبحون شعثا غبرا ، وقد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ،
ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأن بين أعينهم ركب المعزى ، من
طول سجودهم ، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد
الشجر يوم الريح العاصف ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب .
الشرح :
السمت : الطريق ، ولبد الشئ بالأرض ، يلبد بالضم لبودا : التصق بها . ويصبحون
شعثا غبرا ، من قشف العبادة وقيام الليل وصوم النهار وهجر الملاذ ، فيراوحون بين جباههم
وخدودهم ، تارة يسجدون على الجباه ، وتارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة ، تذللا
وخضوعا . والمراوحة بين العمل : أن يعمل هذا مرة وهذا مرة ، ويراوح بين رجليه ، إذا قام
على هذه تارة وعلى هذه أخرى .
ويقال معزى لهذا الجنس من الغنم ومعز ومعيز وأمعوز ومعز ، بالتسكين ، وواحد المعز
ماعز ، كصحب وصاحب ، والأنثى ماعزة والجمع مواعز .
وهملت أعينهم : سالت ، تهمل وتهمل .
ويروى " حتى تبل جباههم " أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته . ومادوا :
تحركوا واضطربوا ، إما خوفا من العقاب كما يتحرك الرجل ويضطرب ، أو رجاء للثواب
كما يتحرك النشوان من الطرب ، وكما يتحرك الجذل المسرور من الفرح .
شرح نهج البلاغة — صفحة 77
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٧٧