تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
ثم أمر بالعمل والعبادة ، ونهى عن الحرص على طلب الرزق ، فقال : إنكم أمرتم بالأول وضمن لكم الثاني ، فلا تجعلوا المضمون حصوله لكم هو المخصوص بالحرص والاجتهاد ، بل ينبغي أن يكون الحرص والاجتهاد فيما أمرتم بعمله وهو العبادة . وقد يتوهم قوم أنه ارتفع " طلبه " ب‍ " المضنون " ، كقولك : المضروب أخوه ، وهذا غلط لأنه لم يضمن طلبه ، وإنما ضمن حصوله ، ولكنه ارتفع ، لأنه مبتدأ وخبره أولى ، وهذا المبتدأ والخبر في موضع نصب ، لأنه خبر " يكونن " أو ارتفع لأنه بدل من " المضنون " ، وهذا أحسن وأولى من الوجه الأول ، وهو بدل الاشتمال . ثم ذكر أن رجعة العمر غير مرجوة ، ورجعة الرزق مرجوة ، أوضح ذلك بأن الانسان قد يذهب منه اليوم درهم فيستعيضه ، أي يكتسب عوضه في الغد دينارا ، وأما " أمس " نفسه فمستحيل أن يعود ولا مثله ، لان الغد وبعد الغد محسوب من عمره ، وليس عوضا من الأمس الذاهب . وهذا الكلام يقتضى أن العمر مقدور ، وأن المكاسب والأرزاق إنما هي بالاجتهاد ، وليست محصورة مقدرة ، وهذا يناقض في الظاهر ما تقدم من قوله : " إن الرزق مضمون فلا تحرصوا عليه " ، فاحتاج الكلام إلى تأويل ، وهو أن العمر هو الظرف الذي يوقع المكلف فيه الأعمال الموجبة له السعادة العظمى ، والمخلصة له من الشقاوة العظمى ، وليس له ظرف يوقعها فيه إلا هو خاصة ، فكل جزء منه إذا فات من غير عمل لما بعد الموت ، فقد فات على الانسان بفواته ما لا سبيل له إلى استدراكه بعينه ولا اغترام مثله ، لان المثل الذي له إنما هو زمان آخر ، وليس ذلك في مقدور الانسان ، والزمان المستقبل الذي يعيش فيه الانسان لم يكتسبه هو لينسب إليه ، فيقال : إنه حصله عوضا مما انقضى وذهب من عمره ، وإنما هو فعل غيره ، ومع ذلك فهو معد ومهيأ لأفعال من العبادة توقع فيه ، كما كان الجزء الماضي معدا لأفعال