تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
صرت بين الورى غريبا كما أنك تحت الثرى وحيد غريب فإن قلت : ما وجه تقسيمه عليه السلام الأمور التي عددها إلى الفناء والعناء ، والغير والعبر ؟ قلت : لقد أصاب الثغرة وطبق المفصل ، ألا تراه ذكر في الفناء رمى الدهر الانسان عن قوس الردى ، وفي العناء جمع ما لا يأكل ، وبناء ما لا يسكن ، وفي الغير الفقر بعد الغنى والغنى بعد الفقر ، وفي العبر اقتطاع الاجل الامل ، فقد ناط بكل لفظة ما يناسبها . وقد نظر بعض الشعراء إلى قوله عليه السلام : " ليس شئ بشر من الشر إلا عقابه ، وليس شئ بخير من الخير إلا ثوابه " فقال : خير البضائع للانسان مكرمة * تنمى وتزكو إذا بارت بضائعه فالخير خير ، وخير منه فاعله * والشر شر ، وشر منه صانعه إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام استثنى العقاب والثواب ، والشاعر جعل مكانهما فاعل الخير والشر . ثم ذكر أن كل شئ من أمور الدنيا المرغبة والمرهبة ، سماعه أعظم من عيانه ، والآخرة بالعكس ، وهذا حق ، أما القضية الأولى فظاهرة ، وقد قال القائل : أهتز عند تمنى وصلها طربا * ورب أمنية أحلى من الظفر ولهذا يحرص الواحد منا على الامر ، فإذا بلغه برد وفتر ، ولم يجده كما كان يظن في اللذة . ويوصف لنا البلد البعيد عنا ، بالخصب والامن والعدل ، وسماح أهله ، وحسن نسائه ، وظرف رجاله ، فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصف ، بل ربما وجدنا القليل من ذلك ، ويوصف لنا الانسان الفاضل بالعلم بفنون من الآداب والحكم ، ويبالغ الواصفون في ذلك . فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف ، وكذلك قد يخاف الانسان حبسا أو ضربا أو نحوهما فإذا
شرح نهج البلاغة — صفحة 257 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم