تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
فهلا كان نقص الأهل فيها * وكان لأهلها منها التمام ثم قال : " فكم من منقوص في دنياه وهو رابح في آخرته ، وكم من مزيد في دنياه وهو خاسر في آخرته " . ثم قال : إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم " ، الجملة الأولى هي الجملة الثانية بعينها ، وإنما أتى بالثانية تأكيدا للأولى وإيضاحا لها ، ولان فن الخطابة والكتابة هكذا هو ، وينتظم كلتا الجملتين معنى واحد ، وهو أن فيما أحل الله غنى عما حرم ، بل الحلال أوسع ، ألا ترى أن المباح من المآكل والمشارب أكثر عددا وأجناسا من المحرمات ! فإن المحرم ليس إلا الكلب والخنزير وأشياء قليلة غيرهما ، والمحرم من المشروب الخمر ونحوها من المسكر ، وما عدا ذلك حلال أكله وشربه ، وكذلك القول في النكاح والتسري فإنهما طريقان مهيعان إلى قضاء الوطر ، والسفاح طريق واحد ، والطريقان أكثر من الطريق الواحد . فإن قلت : فكيف قال : " إن الذي أمرتم به " فسمى المباح مأمورا به ؟ قلت : سمى كثير من الأصوليين المباح مأمورا به ، وذلك لاشتراكه مع المأمور به في إنه لا حرج في فعله ، فأطلق عليه اسمه . وأيضا فإنه لما كان كثير من الأمور التي عددناها مندوبا أطلق عليه لفظ الامر ، لان المندوب مأمور به ، وذلك كالنكاح والتسري وأكل اللحوم ، التي هي سبب قوة البدن ، وشرب ما يصلح المزاج من الأشربة التي لا حرج في استعمالها . وقال بعض العقلاء لبنيه : يا بنى ، إنه ليس شئ من اللذة ناله أهل الخسارة بخسارتهم إلا ناله أهل المروءة والصيانة بمروءتهم وصيانتهم ، فاستتروا بستر الله . ودخل إنسان على علي بن موسى الرضا عليه السلام ، وعليه ثياب مرتفعة القيمة ، فقال : يا بن رسول الله ، أتلبس مثل هذا ؟ فقال له : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق !