تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
عن الصناعة ، لأنه يكون قد عطف الجمع المفرد ، فيصير مثل قول القائل : " ما أخذت منه دينارا ولا دراهم " ، في أنه ليس بالمستحسن في فن البيان . ومن ذلك قوله : " أيها الناس ، حصحص الحق ، فما من الحق مناص ، وأشخص الخلق فما لأحد من الخلق خلاص ، وأنتم على ما يباعدكم من الله حراص ، ولكم على موارد الهلكة اغتصاص ، وفيكم عن مقاصد البركة انتكاص ، كأن ليس أمامكم جزاء ولا قصاص ، ولجوارح الموت في وحش نفوسكم اقتناص ، ليس بها عليها تأب ولا اعتياص " . فليتأمل أهل المعرفة بعلم الفصاحة والبيان هذا الكلام بعين الانصاف ، يعلموا أن سطرا واحدا من كلام " نهج البلاغة " يساوى ألف سطر منه ، بل يزيد ويربى على ذلك ، فإن هذا الكلام ملزق عليه آثار كلفة وهجنة ظاهرة ، يعرفها العامي فضلا عن العالم . ومن هذه الخطبة : " فاهجروا رحمكم الله وثير المراقد ، وادخروا طيب المكتسب ، تخلصوا من انتقاد الناقد ، واغتنموا فسحة المهل قبل انسداد المقاصد ، واقتحموا سبل الآخرة على قلة المرافق والمساعد " . فهل يجد متصفح الكلام لهذا الفصل عذوبة ، أو معنى يمدح الكلام لأجله ؟ وهل هو إلا ألفاظ مضموم بعضها إلى بعض ، ليس لها حاصل ، كما قيل في شعر ذي الرمة : " بعر ظباء ونقط عروس " ( 1 ) ! ومن ذلك قوله : " فيا له من واقع في كرب الحشارج ، مصارع لسكرات الموت معالج ! حتى درج على تلك المدارج ، وقدم بصحيفته على ذي المعارج " .
هامش
( 1 ) من كلام جرير في وصف شعر ذي الرمة ، وانظر الموشح للمرزباني 171 .