ثم قدم المهلب على الحجاج ، فأجلسه إلى جانبه ، وأظهر بره وإكرامه ، وقال : يا أهل
العراق ، أنتم عبيد قن للمهلب ، ثم قال : أنت والله كما لقيط ( 1 ) :
فقلدوا أمركم لله دركم * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا ( 2 )
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه * هم يكاد حشاه يقصم الضلعا ( 3 )
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده * ولا إذا عض مكروه به خشعا ( 4 )
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره * يكون متبعا طورا ومتبعا ( 5 )
حتى استمرت على شرر مريرته * مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا ( 6 )
وروى أنه قام إليه رجل فقال : أصلح الله الأمير ! والله لكأني أسمع الساعة قطريا
وهو يقول لأصحابه : المهلب والله كما قال لقيط الأيادي ، ثم أنشد هذا الشعر . فسر
الحجاج حتى امتلأ سرورا ، فقال المهلب : أما والله ما كنا أشد من عدونا ولا أحد ،
ولكن دمغ الحق الباطل ، وقهرت الجماعة الفتنة ، والعاقبة للمتقين ( 7 ) ، وكان ما كرهناه
من المطاولة خيرا لنا مما أحببناه من المعاجلة .
هامش
( 1 ) هو لقيط بن يعمر الأيادي ، من قصيدة طويلة ، ذكرها ابن الشجري في مختاراته 1 - 6 ، أنذر
فيها قومه من إياد بغز وكسرى ، وكان كاتبا في ديوانه ، وأولها :
يا دار عمرة من محتلها الجرعا * هاجت لي الهم والأحزان والوجعا
تامت فؤادي بذات الجزع خرعبة * مرت تريد بذات العذبة البيعا
( 2 ) رحب الذراع : يريد واسع الصدر متباعد ما بين المنكبين ، كناية عن قوته وشدة مراسه ، ومضطلعا :
أي يحمل الامر ويقوم عليه .
( 3 ) ريث يبعثه ، أي مقدار ما يبعثه .
( 4 ) المترف : المتنعم السادر في ملاذه .
( 5 ) يحلب أشطره ، أي أنه اختبر ضروب الدهر من خير شر وحلو ومر .
( 6 ) المريرة من الحبال : ما طال واشتد فتله ، واستمرت استحكمت ، والشزر : الفتل إلى فوق ، خلاف
اليسر ، وهو الفتل إلى أيسر ، والأول أحكم الفتلين ، ضرب ذلك مثلا لاستجماع قوته . والضرع : الصغير
الضعيف ، والقحم : آخر سن الشيخ .
( 7 ) الكامل : ( للتقوى ) .