تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
نفسك ، وأهلكت من قتل معك ، وإن كنت قاتلت على الحق ، فما وهن أصحابك إلا ضعفت ، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين . وكم خلودك في الدنيا ! القتل أحسن . فدنا عبد الله منها فقبل رأسها ، وقال : هذا والله رأيي ، والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله تعالى عز وجل أن تستحل محارمه ، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك ، فقد زدتني بصيرة ، فانظري يا أماه ، إني مقتول يومى هذا ، فلا يشتد جزعك ، وسلمى لأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم الله ، ولم يظلم مسلما ولا معاهدا ، ولا بلغني ظلم عن عامل من عمالي فرضيت به بل أنكرته ، ولم يكن شئ عندي آثر من رضا الله . اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ، أنت أعلم بي ، ولكني أقوله تعزية لأمي لتسلو عنى . فقالت : إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني ، فأخرج لأنظر إلى ماذا يصير أمرك ! فقال : جزاك الله خيرا يا أمي ! فلا تدعى الدعاء لي حيا وميتا . قالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ، ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب في الظلماء ، وذلك الصوم في هواجر مكة والمدينة ، وبره بأبيه وبي ، اللهم إني قد أسلمت لأمرك ، ورضيت بما قضيت فيه ، فأثبني عليه ثواب الصابرين . وقد روى في قصة عبد الله مع أمه أسماء رواية أخرى ، أنه لما دخل عليها وعليه الدرع والمغفر - وهي عمياء لا تبصر - وقف فسلم ، ثم دنا فتناول يدها فقبلها ، قالت : هذا وداع فلا تبعد ، فقال : نعم ، إنما جئت مودعا ، إني لأرى هذا اليوم آخر أيامي من الدنيا ، واعلمي يا أمي أنى إذا قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي ، فقالت : صدقت يا بنى ! أقم على بصيرتك ، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك ، ادن منى لأودعك ، فدنا منها فقبلته