تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
إما أن يكون ضروريا أو قريبا من الضروري ، فإذا قد شهدت أعلام الوجود على أن الجاحد لاثبات الصانع ، إنما هو جاحد بلسانه لا بقلبه ، لان العقلاء لا يجحدون الأوليات بقلوبهم ، وإن كابروا بألسنتهم ، ولم يذهب أحد من العقلاء إلى نفى الصانع سبحانه . وأما القائلون بأن العالم وجد عن طبيعة ، وأن الطبيعة هي المدبرة له ، والقائلون بتصادم الاجزاء في الخلاء الذي لا نهاية له ، حتى حصل منها هذا العالم . والقائلون بأن أصل العالم وأساس بنيته هو النور والظلمة ، والقائلون بأن مبادئ العالم هي الاعداد المجردة ، والقائلون بالهيولى القديمة ، التي منها حدث العالم ، والقائلون بعشق النفس للهيولي ، حتى تكونت منها هذه الأجسام ، فكل هؤلاء أثبتوا الصانع ، وإنما اختلفوا في ماهيته وكيفية فعله . وقال قاضى القضاة : إن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى نفى الصانع للعالم بالكلية ، ولكن قوما من الوراقين اجتمعوا ووضعوا بينهم مقالة ، لم يذهب أحد إليها ، وهي أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه ، ولا إله للعالم ولا صانع أصلا ، وإنما هو هكذا ما زال ، ولا يزال من غير صانع ولا مؤثر . قال : وأخذ ابن الراوندي هذه المقالة فنصرها في كتابه المعروف بكتاب ، ، التاج ، ، قال : فأما الفلاسفة القدماء والمتأخرون ، فلم ينفوا الصانع ، وإنما نفوا كونه فاعلا بالاختيار ، وتلك مسألة أخرى . قال : والقول بنفي الصانع قريب من القول بالسفسطة ، بل هو هو بعينه ، لان من شك في المحسوس أعذر ممن قال : إن المتحركات تتحرك من غير محرك حركها . وقول قاضى القضاة هذا ، هو محض كلام أمير المؤمنين عليه السلام وعينه ، وليس قول الجاحظ هو هذا ، لان الجاحظ يذهب إلى أن جميع المعارف والعلوم الإلهية ضرورية ، ونحن ما ادعينا في هذا المقام إلا أن العلم بإثبات الصانع فقط هو الضروري ، فأين أحد القولين من الاخر !