تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
على الفساد ، لظهر فساده لطلبة الحق ، وإنما يقع الاشتباه لامتزاج قضاياه الصادقة بالقضايا الكاذبة . مثال ذلك احتجاج من أجاز الرؤية بأن البارئ تعالى ذات موجودة ، وكل موجود يصح أن يرى ، فإحدى المقدمتين حق ، والأخرى باطل ، فالتبس أمر النتيجة على كثير من الناس . ومثال ما يكون المقدمتان جميعا باطلتين ، قول قوم من الباطنية : البارئ لا موجود ولا معدوم ، وكل ما لا يكون موجودا ولا معدوما يصح أن يكون حيا قادرا ، فالبارئ تعالى يصح أن يكون حيا قادرا ، فهاتان المقدمتان جميعا باطلتان . لا جرم أن هذه المقالة مرغوب عنها عند العقلاء ! ومثال ما تكون مقدماته حقا كلها : العالم متغير ، وكل متغير ممكن ، فالعالم ممكن ، فهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء . فإن قيل : فما معنى قوله عليه السلام : ( فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى ) ، أليس هذا إشعارا بقول المجبرة وتلويحا به ؟ قيل : لا إشعار في ذلك بالجبر ، ومراده عليه السلام أنه إذا امتزج في النظر الحق بالباطل ، وتركبت المقدمات من قضايا صحيحة وفاسدة ، تمكن الشيطان من الإضلال والإغواء ، ووسوس إلى المكلف ، وخيل له النتيجة الباطلة ، وأماله إليها ، وزينها عنده ، بخلاف ما إذا كانت المقدمات حقا كلها ، فإنه لا يقدر الشيطان على أن يخيل له ما يخالف العقل الصريح ، ولا يكون له مجال في تزيين الباطل عنده ، ألا ترى أن الأوليات لا سبيل للانسان إلى جحدها وإنكارها ، لا بتخييل الشيطان ولا بغير ذلك !