كان الصاحب رحمه الله يستهجن قوله : ( عما في سراويلاتها ) ، ويقول : إن كثيرا
من العهر أحسن من هذه العفة ، ومعنى البيت الأول أن هذه الخلال الثلاث تراهن
الملاح ضرائر لهن لأنهن يمنعنه عن الخلوة بالملاح والتمتع بهن . ثم قال : إن هذه الخلال
هي التي تمنعه لا الخوف من تبعاتها ، وقال قوم : هذا تهاون بالدين ، ونوع
من الالحاد . وعندي أن هذا مذهب للشعراء معروف ، لا يريدون به التهاون بالدين ،
بل المبالغة في وصف سجاياهم وأخلاقهم بالطهارة ، وإنهم يتركون القبيح لأنه قبيح ،
لا لورود الشرع به ، وخوف العقاب منه ، ويمكن أيضا أن يريد بتبعاتها تبعات
الدنيا ، أي لا أخاف من قوم هذه المحبوبة التي أنست بها ، ولا أشفق من حربهم
وكيدهم ، فأما عفة اليد وعفة اللسان فهما باب آخر ، وقد ذكرنا طرفا صالحا من ذلك في
الاجزاء المتقدمة عند ذكرنا الورع .
وفي الحديث المرفوع : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به
حذار ما به البأس ) .
وقال أبو بكر في مرض موته : إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما ولا
دينارا ، وأكلنا من جريش الطعام ، ولبسنا من خشن الثياب ، وليس عندنا
من فئ المسلمين إلا هذا الناضح ، وهذا العبد الحبشي ، وهذه القطيفة ، فإذا قبضت
فادفعوا ذلك إلى عمر ليجعله في بيت مال المسلمين ، فلما مات حمل ذلك إلى عمر ، فبكى
كثيرا ثم قال : رحم الله أبا بكر ، لقد أتعب من بعده !
قال سليمان بن داود : يا بني إسرائيل ، أوصيكم بأمرين أفلح من فعلهما ،
لا تدخلوا أجوافكم إلا الطيب ، ولا تخرجوا من أفواهكم إلا الطيب .
شرح نهج البلاغة — صفحة 241
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٢٤١