تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
كان الصاحب رحمه الله يستهجن قوله : ( عما في سراويلاتها ) ، ويقول : إن كثيرا من العهر أحسن من هذه العفة ، ومعنى البيت الأول أن هذه الخلال الثلاث تراهن الملاح ضرائر لهن لأنهن يمنعنه عن الخلوة بالملاح والتمتع بهن . ثم قال : إن هذه الخلال هي التي تمنعه لا الخوف من تبعاتها ، وقال قوم : هذا تهاون بالدين ، ونوع من الالحاد . وعندي أن هذا مذهب للشعراء معروف ، لا يريدون به التهاون بالدين ، بل المبالغة في وصف سجاياهم وأخلاقهم بالطهارة ، وإنهم يتركون القبيح لأنه قبيح ، لا لورود الشرع به ، وخوف العقاب منه ، ويمكن أيضا أن يريد بتبعاتها تبعات الدنيا ، أي لا أخاف من قوم هذه المحبوبة التي أنست بها ، ولا أشفق من حربهم وكيدهم ، فأما عفة اليد وعفة اللسان فهما باب آخر ، وقد ذكرنا طرفا صالحا من ذلك في الاجزاء المتقدمة عند ذكرنا الورع . وفي الحديث المرفوع : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذار ما به البأس ) . وقال أبو بكر في مرض موته : إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما ولا دينارا ، وأكلنا من جريش الطعام ، ولبسنا من خشن الثياب ، وليس عندنا من فئ المسلمين إلا هذا الناضح ، وهذا العبد الحبشي ، وهذه القطيفة ، فإذا قبضت فادفعوا ذلك إلى عمر ليجعله في بيت مال المسلمين ، فلما مات حمل ذلك إلى عمر ، فبكى كثيرا ثم قال : رحم الله أبا بكر ، لقد أتعب من بعده ! قال سليمان بن داود : يا بني إسرائيل ، أوصيكم بأمرين أفلح من فعلهما ، لا تدخلوا أجوافكم إلا الطيب ، ولا تخرجوا من أفواهكم إلا الطيب .