تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وإنما الناس ( 1 ) ثمامة ( 2 ) فارفق بهم ، وأحن عليهم ، ولن لهم ، ولا تسول لك نفسك فرقتهم ، واختلاف كلمتهم ، واترك ناجم الشر حصيدا ، وطائر الحقد واقعا ، وباب الفتنة مغلقا ، لا قال ولا قيل ، ولا لوم ولا تعنيف ، ولا عتاب ولا تثريب ، والله على ما أقول وكيل ، وبما نحن عليه بصير . قال أبو عبيدة : فلما تهيأت للنهوض ، قال لي عمر : كن على الباب هنيهة فلي معك ذرو ( 3 ) من الكلام . فوقفت وما أدرى ما كان بعدي ، إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا ، وقال لي : قل لعلى : الرقاد محلمة ، واللجاج ملحمة ، والهوى مقحمة ، وما منا أحد إلا له مقام معلوم ، وحق مشاع أو مقسوم ، وبناء ظاهر أو مكتوم ، وإن أكيس الكيسى من منح الشارد تألفا ، وقارب البعيد تلطفا ، ووزن كل أمر بميزانه ، ولم يجعل خبره كعيانه ، ولا قاس فتره بشبره ، دينا كان أو دنيا ، وضلالا كان أو هدى ، ولا خير في علم معتمل ( 4 ) في جهل ، ولا في معرفة مشوبة بنكر ، ولسنا كجلدة رفع البعير بين العجان وبين الذنب ( 5 ) ، وكل صال فبناره يصلى ، وكل سيل فإلى قراره يجرى ، وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي وحصر ، ولا كلامها اليوم لفرق أو حذر ، فقد جدع الله بمحمد عليه السلام أنف كل متكبر ، وقصم به ظهر كل جبار ، وسل لسان كل كذوب ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ! ما هذه الخنزوانة ( 6 ) التي في فراش رأسك ؟ وما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك ، وما هذه الوحرة ( 7 ) التي أكلت شرا سيفك ( 8 ) ، والقذاة التي أعشت ناظرك ؟ وما هذا الدحس ( 9 )
هامش
( 1 ) صبح الأعشى : ( وبعد فإنما الناس ) . ( 2 ) الثمامة : واحد الثمام ، نبت ضعيف ، يضرب به المثل لما هو هين . ( 3 ) ذرو من الكلام : طرف منه ، وفى صبح الأعشى : ( دور ) تحريف . ( 4 ) صبحي الأعشى ونهاية الإرب : ( مستعمل ) . ( 5 ) الرثغ : أصول الفخذين من باطن . ( 6 ) الخنزوانة : كبر . ( 7 ) الوحرة : العداوة ، وأصلها دويبة يشبه بها ( 8 ) الشراسيف في الأصل : جمع شرسوف ، وهو غضروف معلق بكل ضلع ، مثل غضروف الكتف . ( 9 ) الدحس : التدسيس في الامر .