تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وما كان يسوغ لعلى عليه السلام في الدين إذا طلبه المسلمون للخلافة أن يمتنع عنها ، ويعلم أنها ستصير إذا امتنع إلى هؤلاء ، فلذلك فتح بابه ، وامتنع امتناع من يحاول أن يعلم ما في قلوب الناس ، هل لرغبتهم إليه حقيقة أم لا ! فلما رأى منهم التصميم وافق لوجوب الموافقة عليه ، قد قال في خطبته : ( لولا حضور الحاضر ووجوب الحجة بوجود الناصر . . . لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ( 1 ) ) ، وهذا تصريح بما قلناه . * * * ومنها قولهم : هلا إذ ملك شريعة الفرات على معاوية ، بعد أن كان معاوية ملكها عليه ، ومنعه وأهل العراق منها ، منع معاوية وأهل الشام منها ، فكان يأخذهم قبضا بالأيدي ! فإنه لم يصبر على منعهم عن الماء ، بل فسح لهم في الورود ، وهذا يخالف ما يقتضيه تدبير الحرب . الجواب ، أنه عليه السلام لم يكن يستحل ما استحله معاوية من تعذيب البشر بالعطش ، فإن الله تعالى ما أمر في أحد من العصاة الذين أباح دماءهم بذلك ، ولا فسح فيه في نحو القصاص أو حد الزاني المحصن أو قتل قاطع الطريق ، أو قتال البغاة والخوارج ، وما كان أمير المؤمنين ممن يترك حكم الله وشريعته ، ويعتمد ما هو محرم فيها لأجل الغلبة والقهر والظفر بالعدو ، ولذلك لم يكن يستحل البيات ( 2 ) ولا الغدر ولا النكث . وأيضا فمن الجائز أن يكون عليه السلام غلب على ظنه أن أهل الشام إن منعوا من الماء كان ذلك أدعى لهم إلى الحملات الشديدة المنكرة على عسكرة ، وأن يضعوا فيهم السيوف ، فيأتوا عليهم ويكسروهم بشدة حنقهم وقوة دواعيهم إلى ورود الماء ، فإن ذلك من أشد الدواعي إلى أن يستميت القوم ويستقتلوا . ومن الذي يقف بين يدي جيش عظيم عرمرم حنق قد اشتد بهم العطش ، وهم يرون الماء كبطون الحيات ، لا يحول بينهم وبينه إلا قوم
هامش
( 1 ) من الخطبة الشقشقية ، وقد تقدمت في الجزء الأول ص 151 - 203 . ( 2 ) يقال : بيت العدو ، إذا أوقع به ليلا .