تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ومنها قولهم : إنه كان غير مصيب في ترك الاحتراس ، فقد كان يعلم كثرة أعدائه ، ولم يكن يحترس منهم ، وكان يخرج ليلا في قميص ورداء وحده ، حتى كمن له ابن ملجم في المسجد فقتله ، ولو كان احترس وحفظ نفسه ولم يخرج إلا في جماعة . ولو خرج ليلا كانت معه أضواء وشرطة ، لم يوصل إليه . والجواب ، أن هذا إن كان قادحا في السياسة والتدبير ، فليكن قادحا في تدبير عمر وسياسته ، وهو عند الناس في الطبقة العليا في السياسة وصحة التدبير ، وليكن قادحا في تدبير معاوية ، فقد ضربه الخارجي بالسيف ليلة ضرب أمير المؤمنين عليه السلام فجرحه ، ولم يأت على نفسه ، ومعاوية عند هؤلاء سديد التدبير ، وليكن قادحا في صحة تدبير رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد كان يخرج وحده في المدينة ليلا ونهارا مع كثرة أعدائه ، وقد كان يأكل ما دعى إليه ولا يحترس ، حتى أكل من يهودية شاة مشوية قد سمته فيها فمرض ، وخيف عليه التلف ، ولما برأ لم تزل تنتقض عليه حتى مات منها ، وقال عند موته : إني ميت من تلك الاكلة ، ولم تكن العرب في ذلك الزمان تحترس ، ولا تعرف الغيلة والفتك ، وكان ذلك عندهم قبيحا يعير به فاعله ، لان الشجاعة غير ذلك ، والغيلة فعل العجزة من الرجال ، ولان عليا عليه السلام كانت هيبته قد تمكنت في صدور الناس ، فلم يكن يظن أن أحدا يقدم عليه غيلة أو مبارزة في حرب ، فقد كان بلغ من الذكر بالشجاعة مبلغا عظيما لم يبلغه أحد من الناس ، لا من تقدم ولا من تأخر ، حتى كانت أبطال العرب تفزع باسمه ، ألا ترى إلى عمرو بن معدى كرب وهو شجاع العرب ، الذي تضرب به الأمثال ، كتب إليه عمر بن الخطاب في أمر أنكره عليه ، وغدر تخوفه منه : أما والله لئن أقمت على ما أنت عليه ، لأبعثن إليك رجلا تستصغر معه نفسك ، يضع سيفه على هامتك فيخرجه من بين فخذيك ! فقال عمرو لما وقف على الكتاب : هددني بعلي والله ! ولهذا قال شبيب بن بجرة لابن ملجم ، لما رآه يشد الحرير على بطنه وصدره : ويلك ! ما تريد