ثم بين سبحانه وتعالى أن الذين يستأذنونه في التخلف خارجون من الايمان ، فقال له :
( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت
قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) ( 1 ) .
ولا حاجة إلى التطويل بذكر الآيات المفصلة فيما يناسب هذا المعنى ، فمن تأمل الكتاب
العزيز علم حاله صلوات الله عليه مع أصحابه كيف كانت ، ولم ينقله الله تعالى إلى جواره
إلا وهو مع المنافقين له والمظهرين خلاف ما يضمرون من تصديقه في جهاد شديد ،
حتى لقد كاشفوه مرارا ، فقال : لهم يوم الحديبية احلقوا وانحروا . . . مرارا ، فلم يحلقوا
ولم ينحروا ، ولم يتحرك أحد منهم عند قوله ، وقال له بعضهم وهو يقسم الغنائم : ( إعدل
يا محمد فإنك لم تعدل ) .
وقالت الأنصار له مواجهة يوم حنين : أتأخذ ما أفاء الله علينا بسيوفنا فتدفعه إلى
أقاربك من أهل مكة ! حتى أفضى الامر إلى أن قال لهم في مرض موته : ( ائتوني بدواة
وكتف أكتب لكم مالا تضلون بعده ) ، فعصوه ولم يأتوه بذلك ، وليتهم اقتصروا
على عصيانه ولم يقولوا له ما قالوا ، وهو يسمع .
وكان أبو جعفر رحمه الله يقول من هذا ما يطول شرحه ، والقليل منه ينبئ عن
الكثير ، وكان يقول : إن الاسلام ماحلا عندهم ولا ثبت في قلوبهم إلا بعد موته ، حين
فتحت عليهم الفتوح ، وجاءتهم الغنائم والأموال ، وكثرت عليهم المكاسب ، وذاقوا طعم
الحياة ، وعرفوا لذة الدنيا ، ولبسوا الناعم ، وأكلوا الطيب ، وتمتعوا بنساء الروم ، وملكوا
خزائن كسرى ، وتبدلوا بذلك القشف والشظف والعيش الخشن وأكل الضباب والقنافذ
هامش
( 1 ) سورة التوبة 44 ، 45 .