وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا
ومنكم من يريد الآخرة ) ( 1 ) .
قال : وهم الذين عصوا أمره في غزاة تبوك ، بعد أن أكد عليهم الأوامر ، وخذلوه
وتركوه ولم يشخصوا معه ، فأنزل فيهم : ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم
انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع
الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما
غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير ) ( 2 ) ، وهذه الآية خطاب مع المؤمنين
لا مع المنافقين ، وفيها أوضح دليل على أن أصحابه وأولياءه المصدقين لدعوته كانوا يعصونه ،
ويخالفون أمره ، وأكد عتابهم وتقريعهم وتوبيخهم بقوله تعالى : ( لو كان عرضا قريبا
وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا
لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ) ( 3 ) .
ثم عاتب رسول الله صلى الله عليه وآله على كونه أذن لهم في التخلف ، وإنما أذن لهم
لعلمه أنهم لا يجيبونه في الخروج ، فرأى أن يجعل المنة له عليهم في الاذن لهم ، وإلا قعدوا عنه
ولم تصل له المنة ، فقال له : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين
صدقوا وتعلم الكاذبين ) ( 4 ) ، أي هلا أمسكت عن الاذن لهم حتى يتبين لك قعود
من يقعد ، وخروج من يخرج ، صادقهم من كاذبهم ! لأنهم كانوا قد وعدوه بالخروج معه
كلهم ، وكان بعضهم ينوى الغدر ، وبعضهم يعزم على أن يخيس ( 5 ) بذلك الوعد ، فلو لم يأذن
لهم لعلم من يتخلف ومن لا يتخلف ، فعرف الصادق منهم والكاذب .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 152 .
( 2 ) سورة التوبة 38 ، 39 .
( 3 ) سورة التوبة 42 .
( 4 ) سورة التوبة 43 .
( 5 ) يخيس : يغدر .