فيه . و من هذا وصفه ، فينبغي أن يجتنب السماع رأسا ، فإنّ من غلب عليه عشق نزّل كلّ ما يسمعه عليه ؛ سواء كان اللفظ مناسبا له أو لم يكن ، إذ ما من لفظ إلَّا و يمكن تنزيله على معان بطريق الاستعارة ، فالذي يغلب على قلبه حبّ اللَّه تعالى يتذكَّر بسواد الصدغ مثلا ظلمة الكفر ، و بنضارة الخدّ نور الإيمان ، و بذكر الوصال لقاء اللَّه تعالى ، و بذكر الفراق الحجاب عن اللَّه تعالى في زمرة المردودين ، و بذكر الرقيب المشوّش لروح الوصال عوائق الدنيا و آفاتها المشوّشة لدوام الأنس باللَّه تعالى ، و لا يحتاج في تنزيل ذلك عليه إلى استنباط و تفكَّر و مهلة ، بل تسبق المعاني الغالبة على القلب إلى فهمه مع اللفظ .
كما روي عن بعض الشيوخ ، أنّه مرَّ في السوق فسمع واحدا يقول : الخيار عشرة بحبّة ، فغلبه الوجد ، فسئل عن ذلك فقال : إذا كان الخيار عشرة بحبّة فما قيمة الأشرار ؟ و اجتاز بعضهم في السوق فسمع قائلا يقول : يا سعتر برّي ، فغلبه الوجد ، فقيل له : على ما ذا كان وجدك ؟ فقال : سمعته كأنّه يقول : اسعتر برّي ، حتّى إنّ العجميّ قد يغلب عليه الوجد على الأبيات المنظومة بلغة العرب ، فإنّ بعض حروفها يوازن الحروف العجميّة ، فيفهم منها معاني أخر . أنشد بعضهم :
و ما زارني في الليل إلَّا خياله فتواجد عليه رجل أعجميّ . فسئل عن سبب وجده فقال : إنّه يقول : « ما زاريم » . و هو كما يقول ؛ فإنّ لفظ « زار » يدلّ في العجميّة على المشرف على الهلاك ، فتوهّم أنّه يقول : كلَّنا مشرفون على الهلاك ، فاستشعر عند ذلك خطر هلاك الآخرة .
و المحترق في حبّ اللَّه تعالى وجده بحسب فهمه ، و فهمه بحسب تخيّله ، و ليس من شرط تخيله أن يوافق مراد الشاعر و لغته . فهذا الوجد حقّ و صدق . و من استشعر خطر هلاك الآخرة فجدير بأن يتشوّش عليه عقله و تضطرب عليه أعضاؤه . فإذن ليس في تغيير أعيان الألفاظ كبير فائدة ، بل الذي غلب عليه
غنا ، موسيقى ( عربي - فارسي ) — صفحة 2473
مساهمون: مركز تحقيق مدرسة ولي العصر ( عج )
ص٢٤٧٣