حقيقة . نعم الناقص القريب في نقصانه من البهيمة قد لا يدرك من لفظة العشق إلَّا طلب الوصال الذي هو عبارة عن تماسّ ظواهر الأجسام و قضاء شهوة الوقاع . كمثل هذا الحمار ينبغي أن لا تستعمل معه لفظة العشق و الشوق و الوصال و الأنس ، بل يجنّب هذه الألفاظ و المعاني كما تجنّب البهيمة النرجس و الريحان ، و تخصّص بالقتّ و الحشيش و أوراق القضبان . فإنّ الألفاظ إنّما يجوز إطلاقها في حقّ اللَّه تعالى إذا لم تكن موهمة معنى يجب تقديس اللَّه تعالى عنه .
و الأوهام تختلف باختلاف الأفهام ، فليتنبّه لهذه الدقيقة في أمثال هذه الألفاظ .
بل لا يبعد أن ينشأ من مجرّد السماع لصفات اللَّه تعالى وجد غالب تقطع بسببه نياط القلب . فقد روى أبو هريرة ( رض ) عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : أنّه ذكر غلاما كان في بني إسرائيل على جبل فقال لأمّه : من خلق السماء ؟ قالت : اللَّه ( عزّ و جلّ ) . قال : فمن خلق الأرض ؟ قالت : اللَّه ( عزّ و جلّ ) . قال : فمن خلق الجبال ؟ قالت : اللَّه ( عزّ و جلّ ) . قال : فمن خلق الغيم ؟ قالت : اللَّه ( عزّ و جلّ ) .
قال : إنّي لأسمع للَّه شأنا . ثمّ رمى بنفسه من الجبل فتقطَّع « 1 » . و هذا كأنّه سمع ما دلّ على جلال اللَّه تعالى و تمام قدرته فطرب لذلك و وجد ، فرمى بنفسه من الوجد . و ما أنزلت الكتب إلَّا ليطربوا بذكر اللَّه تعالى . قال بعضهم : رأيت مكتوبا في الإنجيل ؛ غنّينا لكم فلم تطربوا ، و زمرنا لكم فلم ترقصوا . أي شوّقناكم بذكر اللَّه تعالى فلم تشتاقوا .
فهذا ما أردنا أن نذكره من أقسام السماع و بواعثه و مقتضياته ، و قد ظهر على القطع إباحته في بعض المواضع و الندب إليه في بعض المواضع .
فإن قلت : فهل له حالة يحرم فيها ؟ فأقول : إنّه يحرم بخمسة عوارض :
عارض في المسمع ، و عارض في آلة الإسماع ، و عارض في نظم الصوت ، و عارض في نفس المستمع أو في مواظبته ، و عارض في كون الشخص من عوامّ الخلق ؛ لأنّ
هامش
« 1 » رواه ابن حبان .