تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غنا ، موسيقى ( عربي - فارسي ) — صفحة 2459

مساهمون:

ص٢٤٥٩
المحامل و الأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمدّ أعناقها ، و تصغي إلى الحادي ناصبة آذانها ، و تسرع في سيرها حتّى تتزعزع عليها أحمالها و محاملها ، و ربما تتلف أنفسها من شدّة السير و ثقل الحمل ، و هي لا تشعر به لنشاطها . فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوريّ - المعروف بالرقّي - ( رض ) قال : كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب ، فأضافني رجل منهم و أدخلني خباءه ، فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيّدا بقيد ، و رأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت و قد بقي منها جمل و هو ناحل ذابل كأنّه ينزع روحه ، فقال لي الغلام : أنت ضيف و لك حقّ فتشفّع فيّ إلى مولاي فإنّه مكرم لضيفه فلا يردّ شفاعتك في هذا القدر ، فعساه يحلّ القيد عني ، قال : فلمّا أحضروا الطعام امتنعت ، و قلت : لا آكل ما لم أشفّع في هذا العبد . فقال : إنّ هذا العبد قد أفقرني و أهلك جميع مالي فقلت : ما ذا فعل ؟ فقال : إنّ له صوتا طيّبا ، و إنّي كنت أعيش من ظهور هذه الجمال ، فحمّلها أحمالا ثقالا ، و كان يحدو بها حتّى قطعت مسيرة ثلاثة أيّام في ليلة واحدة من طيب نغمته ، فلمّا حطَّت أحمالها ماتت كلَّها إلَّا هذا الجمل الواحد ، و لكن أنت ضيفي فلكرامتك قد و هبته لك ، قال : فأحببت أن أسمع صوته ، فلمّا أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هناك ، فلمّا رفع صوته هام ذلك الجمل و قطع حباله ، و وقعت أنا على وجهي فما أظنّ أنّي سمعت قطَّ صوتا أطيب منه . فإذن تأثير السماع في القلب محسوس ، و من لم يحرّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال ، بعيد عن الروحانيّة ، زائد في غلظ الطبع و كثافته على الجمال و الطيور ، بل على جميع البهائم ، فإنّ جميعها تتأثّر بالنغمات الموزونة . و لذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السّلام لاستماع صوته . و مهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة و لا تحريم ، بل يختلف ذلك بالأحوال و الأشخاص و اختلاف طرق النغمات ، فحكمه حكم ما في القلب . قال أبو سليمان : السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه و لكن يحرّك ما هو