الصلت كلّ ذلك يقول : « هيه هيه » ثمّ قال : « إن كاد في شعره ليسلم » « 1 » و عن أنس ( رض ) أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم كان يحدى له في السفر . و أنّ أنجشة كان يحدو بالنساء ، و البراء بن مالك « 2 » كان يحدو بالرجال ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : « يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير » « 3 » و لم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم و زمان الصحابة ( رض ) ، و ما هو إلَّا أشعار تؤدّى بأصواب طيّبة و ألحان موزونة ، و لم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره ، بل ربّما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال و تارة للاستلذاذ . فلا يجوز أن يحرم من حيث إنّه كلام مفهوم مستلذّ مؤدّى بأصوات طيّبة و ألحان موزونة .
الدرجة الرابعة : النظر فيه من حيث إنّه محرّك للقلب و مهيّج لما هو الغالب عليه . فأقول : للَّه تعالى سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتّى إنّها لتؤثّر فيها تأثيرا عجيبا . فمن الأصوات ما يفرح ، و منها ما يحزن ، و منها ما ينوّم ، و منها ما يضحك و يطرب ، و منها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد و الرجل و الرأس . و لا ينبغي أن يظن أنّ ذلك لفهم معاني الشعر ، بل [ هو ] جار في الأوتار حتّى قيل : من لم يحرّكه الربيع و أزهاره ، و العود و أوتاره ، فهو فاسد المزاج ليس له علاج . و كيف يكون ذلك لفهم المعنى و تأثيره مشاهد في الصبيّ في مهده ! ؟ فإنّه يسكَّنه الصوت الطيّب عن بكائه و تنصرف نفسه عمّا يبكيه إلى الإصغاء إليه .
و الجمل مع بلادة طبعه يتأثّر بالحداء تأثّرا يستحفّ معه الأحمال الثقيلة ، و يستقصر لقوّة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة ، و ينبعث فيه من النشاط ما يسكره و يولهه ، فتراها إذا طالت عليها البوادي و اعتراها الإعياء و الكلال تحت
هامش
« 1 » رواه مسلم .
« 2 » صحابي من أشجع الناس شهد أحدا و ما بعدها مع الرسول و كان على ميمنة أبي موسى يوم فتح تستر فاستشهد على بابها الشرقي سنة 20 ه . راجع تاريخ الإسلام ، ج 2 ، ص 30 .
« 3 » رواه أبو داود الطيالسي و اتفق الشيخان منه على قصة أنجشة دون ذكر البراء بن مالك . صحيح البخاري ، ج 8 ، ص 44 .