و قالت ليلى الأخيلية « 1 » للحجّاج حين سألها عن ولدها و أعجبه ما رأى من شبابه : إنّي و اللَّه ما حملته سهوا ، و لا وضعته يتنا ، و لا أرضعته غيلا ، و لا أنمته تئقا .
تعني : لم أنوّمه مستوحشا باكيا و قولها : ما حملته سهوا ، تعني في بقايا الحيض ؛ و يقال : حملت المرأة وضعا و تضعا ، إذا حملت في استقبال الحيض و قولها : و لا وضعته يتنا ، تعني منكسا . و قولها : و لا أرضعته غيلا ، تعني لبنا فاسدا .
و زعمت الفلاسفة أنّ النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه ، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع ، فلما ظهر عشقته النفس و حنّ إليه الروح و لذلك قال أفلاطون : لا ينبغي أن تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا . أ لا ترى أنّ أهل الصناعات كلَّها إذا خافوا الملالة و الفتور على أبدانهم ترنّموا بالألحان فاستراحت لها أنفسهم .
و ليس من أحد كائنا من كان إلَّا و هو يطرب من صوت نفسه ، و يعجبه طنين رأسه ؛ لو لم يكن من فضل الصوت إلَّا أنّه ليس في الأرض لذّة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد إلَّا و فيه معاناة على البدن و تعب على الجوارح غيره ، لكفى . « 2 » و قد يتوصّل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا و الآخرة ؛ ذلك أنّها تبعث على مكارم الأخلاق ، من اصطناع المعروف ، و صلة الرحم ، و الذبّ عن الأعراض ، و التجاوز عن الذنوب ؛ و قد يبكي الرجل بها على خطيئته ، و يرقّ القلب من قسوته ، و يتذكَّر نعيم الملكوت و يمثّله في ضميره .
و كان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد و فيه الغناء ، فيجعل مكان السرور به بكاء ، كأنّه يتذكَّر به نعيم الآخرة !
هامش
« 1 » في بعض الأصول و اللسان : أم تأبط شرا .
« 2 » مكان « غيره ، لكفى » في بعض الأصول : » ما خلا السماع ، فإنّه لا معاناة فيه على البدن و لا تعب على الجوارح .